مدونة “لوفير” : الفساد استمر في ليبيا منذ إسقاط نظام الدولة في 2011

قالت مدونة «لوفير»، التابعة لمعهد «لوفير» الأميركي المعني بدراسات الأمن القومي إن الفساد استمر في ليبيا منذ إسقاط  بالنظام الجماهيري وحتى الآن.

وأوضح كاتب المقال الباحث بجامعة «باريس 8»، جلال حرشاوي إن 2012 كان عاما جيدا بالنسبة إلى قطاع الصناعات الهيدروكربونية، إذ تزامن ذلك مع عود الطلب الخاص على القطاعات غير النفطية، ما دفع إجمالي الناتج المحلي إلى 82 مليار دولار، وهو ضعف إجمالي الناتج في 2011، وبزيادة قدرها 9% مقارنة بالعام 2010.

أضف إلى ذلك، تمتعت ليبيا باحتياطات أجنبية بقيمة 100 مليار دولار، تراكمت بين 2004 – 2010، لكن تم تجميدها من قبل الدول الغربية عقب أحداث 2011.

وأضاف الباحث في الشأن الليبي لكن بعد إسقاط نظام الدولة، تم الإبقاء على نظام الرعاية العامة، وظلت أيضا «المحسوبية والفساد»، ولم تدرس الحكومات الموقتة فرض تدابير تقشفية، بل استمر الإنفاق المسرف على الرعاية الاجتماعية وارتفع إلى مستويات خطرة جديدة.

وتحدث المقال عن «فساد في نظام الرواتب الحكومية، إذ سيطرت الرغبة على شراء ولاء العامة على فترة ما بعد 2011، ونتيجة لذلك، يوجد ما يقرب من 300 ألف راتب مكرر على قائمة الأجور الحكومية، وتضاعفت فاتورة الرواتب من 6.6 مليار دولار في 2010 إلى 19 مليار دولار في 2014».

وأوضح المقال أنه تم إنفاق 25 مليار دولار بين عامي 2011 – 2014 في دعم الوقود والبضائع، وخلال العام 2017 وحده، بلغت فاتورة الأجور الحكومية 14 مليار دولار، والدعم وصل إلى 4 مليارات دولار.

وأكد الكاتب أن «الوضع الاقتصادي هو الخوف الأكبر بالنسبة إلى معظم الليبيين، وليس التهديدات الأمنية أو الخوف من الوقوع ضحية لتنظيم جهادي أو الإصابة في اشتباكات مسلحة».

وأوضح ، الأزمة المالية في ليبيا تفاقمت خلال أشهر قليلة، مع نقص العملة في المصارف التجارية، وضعف قيمة الدينار في السوق السوداء مقابل الدولار، متسائلا عن الأسباب الحقيقية وراء الأزمة المالية، ولفت الى أن الوضع الأمني، رغم خطورته، ليس هو السبب الوحيد، لكن الأزمة هي نتيجة للبيروقراطية الحكومية، ومستويات الإنفاق المسرف على الرعاية الاجتماعية والاستقطاب السياسي المستمر.

وأشار الكاتب إلى استغلال الصناعة النفطية في المنافسة السياسية، منوها إلى إغلاق مليشيات المنشآت النفطية الامر الذي أدى لهبوط الإنتاج من 1.45 مليون برميل في مايو 2013 إلى 220 ألف برميل في نوفمبر من العام نفسه.

وقال الكاتب إن «الأزمة الحقيقية تكمن في فشل السلطة المركزية في وقف تلك المجموعات، بل إن جزءا من النخبة السياسية تعاطفت معهم ودعمتهم، وهو ما خلق أسلوبا جديدا من الاحتجاج سرعان ما انتشر في باقي أنحاء ليبيا».

ولفت الى أن المؤسسة الوطنية للنفط سعت منذ العام 2016، للقضاء على هذا النهج من الاحتجاج، وتمكنت من تحقيق تقدم في تقليل تلك الظاهرة، إلا أن الاحتجاجات لا تزال تعرقل الإنتاج النفطي بشكل روتيني حتى الان.

وبين المقال أن تراجع الإيرادات النفطية خلال الفترة بين 2013 – 2016، تسبب في عجز ميزان المدفوعات، وللقضاء على تلك الفجوة، لجأ مصرف ليبيا المركزي إلى حرق واستخدام الاحتياطات النقدية، واعتمد جزء كبير من الاقتصاد الليبي على استهلاك الودائع من السنوات السابقة.

وقال الكاتب إن غلق المنشآت النفطية وتراجع أسعار النفط أدى إلى انهيار عائدات ليبيا من 52 مليار دولار في 2012 إلى أقل من 5 مليارات دولار في 2016، مضيفا وعلى الرغم من انخفاض العائدات الحكومية بنسبة 90% بين 2012 – 2015، إلا أن النفقات العامة تراجعت بنسبة 40% فقط، ونتيجة لذلك انخفضت الاحتياطات النقدية الأجنبية من 108 مليارات دولار في 2013، إلى 57 مليار دولار مع نهاية العام 2015.

وتابع المقال ومع تراجع سعر الصرف الرسمي، سعى المضاربون والسماسرة لبيع الدولار بسعر صرف مرتفع في الأسواق السوداء، واستخدم مهربون خطابات الائتمان للحصول على العملة الصعبة بسعر الصرف الرسمي عند 1.4 دولار للدينار.

وقال الكاتب إنه «بفضل تواطؤ بعض مديري البنوك، تم إصدار كمية كبيرة من خطابات الائتمان لصالح حفنة من المهربين، وبدلا من استيراد البضائع إلى داخل الدولة الليبية، يقوم هؤلاء بإصدار سندات شحن مزورة، حتى يقوم المصرف بالموافقة على توجيه المبالغ المطلوبة بالدولار للخارج، ثم يجري استيراد الدولار بعد ذلك وبيعه في الأسواق الموازية بسعر أعلى من سعر الصرف الرسمي».

وأضاف أن مجموعات مسلحة تشارك في تلك العملية من خلال «الترهيب والتخويف والتهديد باستخدام العنف»، وهو ما يفسر فشل بعض المسؤولين الحكوميين في اتخاذ إجراءات حاسمة للتخفيف من حدة الأزمة المالية.

وأشار إلى وجود مجموعة أخرى مستفيدة من الحالة القائمة، وهو ما لفت إليه المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة في تصريحات سابقة عندما قال «العائق الرئيسي أمام حل الأزمة الاقتصادية هو (حزب الوضع القائم)، وهم المستفيدين من الوضع الحالي من سياسيين وقادة مجموعات مسلحة ومهربين، من ينهبون اقتصاد الدولة».

وبيّن الكاتب أن نقص العملة في المصارف، يتسبب في اصطفاف مئات المواطنين في طوابير يومية أمام المصارف لسحب أموالهم، وعادة ما يعود معظمهم خالي الوفاض إلى منزله، مضيفا أن الأمر يتطور أحيانا إلى أعمال عنف، وقد أقدم بعض العناصر المسلحة على إطلاق النيران، وهي عناصر تتبع مجموعات مسلحة تزعم أنها مكلفة بحماية المصرف.

وأشار الكاتب في حديثه عن الجماعات المكلفة بحماية المصارف إلى أنها «عادة ما تتورط في عمليات اختلاس والتأثير سلبا على توزيع الأموال، ومع المعاناة التي يمر بها معظم الليبيين، تكشف بعض المتاجر في طرابلس الحياة المترفة التي يعيشها البعض».

وتحدث المقال عن أزمة التنافس السياسي بين فرعي مصرف ليبيا المركزي في طرابلس وفي البيضاء، وقال إن «تلك المنافسة عمقت الأزمة وجعلت من الصعب حلها ، وعمل فرعي المصرف على طباعة عملات جديدة، وهذا التنافس قلل من ثقة الليبيين في القطاع المصرفي برمته»، مبينا أنه على الرغم من طباعة مليارات من العملات الجديدة، إلا أن ذلك لم يساعد في حل أزمة نقص العملة، بل أنه أدى إلى زيادة حجم الأموال المتداولة خارج النظام المصرفي، من 8 مليارات دينار في 2010 إلى 30 مليار دينار حاليا.

وحذر الباحث الليبي من أن أزمة الدينار والأزمة المالية يعمقان من انقسام المجتمع، وقال إن الشبكات التي تتغذى على تهريب الدولار وتوزيع العملة تدعم ذلك، مما يقوض أي جهود لبناء قدرات الدولة الليبية.

ولفت الكاتب إلى اقتراحات البعض بتخفيض قيمة الدينار الرسمي، وتغييره من 1.4 دولار إلى 4.5 دولار، لكنه قال إن تخفيض قيمة العملة وحده لن ينهي الأزمة.

ودعا الكاتب المصرف المركزي إلى ضمان إتاحة كمية كبيرة من العملة الصعبة بأسعار الصرف الجديدة في المصارف للعامة، وصغار التجار من أجل إعادة إحياء السيولة وبناء الثقة في القطاع المصرفي.

ويرى حرشاوي أن «أزمة ليبيا المالية هي أزمة ثقة وأزمة إدارة»، وظهر ذلك جليا في استمرار تدهور الدينار أمام الدولار خلال العام 2017، رغم تراجع النفقات العامة وتعافي الإنتاج النفطي، ولم يتحسن أداء الدينار في السوق السوداء، بل انخفضت قيمته بنسبة 35%.

ولجذب الأموال إلى داخل القطاع البنكي، اقترح الكاتب زيادة نسبة الفائدة، لكنه لفت إلى منع الفائدة في ليبيا منذ العام 2013 حينما قدمت «مجموعات إسلامية قانون رقم (1) يمنع التعامل بالفائدة باعتبارها ربا».

وربط المقال أيضا بين التوصل إلى تسوية سياسية حقيقية وحل الأزمة المالية، وغياب الحلول السياسية ينذر باستمرار الأزمة في 2018، حتى إذا أعلن المصرف المركزي تخفيض قيمة الدينار.

وأكد الكاتب على أهمية توحيد الإجراءات المالية والتنسيق لتخفيف الأزمة، إضافة إلى القضاء على الفساد في الجمارك وسلطات تنفيذ القانون وفي القطاع المصرفي، لكنه استبعد تنفيذ أي من تلك الإجراءات بسبب الاستقطاب المسيطر على المصرف المركزي حاليا.