بعد سبع عجاف، هل يطل ربيعنا المؤجل!؟

عبيد احمد الرقيق

بحلول العام 2018 تكون ثورات ماسمي بالربيع العربي قد طوت عامها السابع ، وبمراجعة واقعية لتلك المدة المنقضية من عمر شعوب خمس دول شملتها حركة التغيير في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، نجد أن أنظمة الحكم قد تغيرت فعلا في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن، الاستثناء الوحيد هي سوريا التي لايزال زعيمها “بشار الأسد” يصارع الثائرين عليه والمتمردين!، واذا عبرت كل من مصر وتونس نفق الثورة بدون سلاح، فإن الانتفاضة قد تحولت الى صراع مسلح دامي في كل من ليبيا واليمن وسوريا ولا تزال هذه الدول الثلاث تعيش حالة من الحرب المسلحة في خضم تقاتل اهلي شرس يخلف اوضاعا مأساوية معقدة.

تونس، والتي انطلقت منها شرارة التغيير، عندما اشعل المواطن التونسي البسيط “البوعزيزي” النار في جسده، تعبيرا عن اعتراضه لممارسات الأجهزة الأمنية والضبطية حيال عربته التي كان يسترزق منها! فانتشرت شرارة الغضب حتى عمت كل ارجاء تونس،التي انتفضت وأرغمت حاكمها “زين العابدين بن علي”على الهروب  خارجها، ليبادر الجيش بأخذ زمام الحكم وينجح في احتواء الفوضى،رغم صعوبة المرحلة حيث تمكن من امتصاص غضب الشارع، وبالتالي حافظ على مكتسبات ومؤسسات الدولة من الانهيار ، واستطاع العبوربها بسلام حتى تسليم الحكم لرئيس تونسي جديد منتخب.

ان الأوضاع في تونس وان تغيّرت سياسيا، فقد شهدت تدهورا في الوضع الاقتصادي، عكس ما كان مستهدفا بالتغيير الى الأفضل! ولا تزال معدلات البطالة تسجلفي تونس تزايدا ملحوظا عما كان عليه قبل عام 2011م، يمكن القول أن تونس اليوم رغم انها قد استقرت سياسيا ودستوريا فهي لاتزال تعاني على المستوى الاقتصادي وحتى الأمني، وهذا ما يجعلها عرضة لتحديات كثيرة حاضرا وفي المستقبل، وان تجاوزها لهذه الأوضاع الصعبة يبقى مرهونا بمدى توافق التوانسة على آلية محددة ومضبوطة لتفعيل الادارة التنفيذية وفق رؤية شاملة تنطلق من الواقع المعاش.

مصر،أول المتأثرين بانتفاضة تونس، تمكن رئيسها السابق حسني مبارك بفضل حنكته السياسية من احتواء الانتفاضة مرحليا، وابعدها عن الصراع المسلح حين تنازل عن الحكم لرئيس اركانه، وبالتالي حافظ على تماسك القوات المسلحة التي هي صمام الأمان، والتي استطاعت ان تجتاز مرحلة الخطر وتسلم الحكم الى حكومة منتخبة، ثم ما لبثت تلك الحكومة ان اقصيت كذلك خلال سنة واحدة فقط،بعد ان خرجت الجماهير من جديد وطالبت بالتغيير، ليتدخل  الجيش المصري للمرة الثانية ويحسم الأمور لصالحه وليتمكن “السيسي”فيما بعد من رئاسة البلد عبر صناديق الاقتراع، مصر اليوم لم تصل بعد الى حالة التوازن والاستقرار المطلوب، فهي تواجه تحديّات كثيرة أهمها تحدّي الجماعات الإرهابية التي تهدد أمنها واستقرارها باستمرار، بالإضافة الى تحدّي الوضع الاقتصادي الذي يواجه صعوبات كبيرة في سبيل تحسين مستوى معيشة السواد الأعظم من المصريين.

اليمن،لا تزال تحصد أبنائها حرب ضروس،وقد مرت بمراحل متعددة خلال السبع سنوات، ففي حين انقسم اليمنيون في بادئ الامر عام 2011 الى فريقين فريق مع الرئيس الراحل “صالح” وفريق معالثوار، ورغم محدودية التصادم المسلح بينهما، فقد تنازل  الرئيس صالح عن الحكم وفق مبادرة خليجية قادتها السعودية، لكن ذلك لم يستمر طويلا فقد تجدد الصراع بين الطرفين واشتد وطيسه بعد أن تحالف “صالح”مع تيار يقوده الحوثيون ضد الرئيس “عبد ربه”، وتطور الأمر بان تدخلت السعودية، وقادت ما يسمى بدول التحالف العربي الذي تشكل من دول الخليج خاصة، لنصرة حكومة الرئيس  “عبدربه منصور هادي”فاشتعلت حرب مدمرة دامية، تدخل عامها الرابع يهدر فيها الدم اليمني رخيصا ويتضرر منها بالدرجة الأولى، البسطاء من ابناء الشعب اليمني الصابر، ولاتزال حتى اللحظة حرب الاشقاء مستعرة في اليمن وحال اليمنيين في أسوأ الأوضاع إنسانيا واقتصاديا ومعيشيا.

سوريا، لقد أصابها كغيرها من دول ما سمي الربيع العربي نصيب من لهيب ثوراته! فقد تقاتل السوريون واريقت دمائهم وفقدوا الكثير من أبنائهم،وأصاب سوريا تهجير ونزوح غير مسبوق، حيث غادرها الملايين مشردين  لاجئين الى اصقاع المعمورة، وسجلت كأكبر ظاهرة هجرة ولجوء في هذا العصر!، لكن تماسك الجيش السوري ابقاه صامدا تحت قيادة بشار الأسد! الى ان تكشّفت للعالم بعد حوالي 4 سنوات من الحرب والدمار، حقيقة ان من يقودون الحرب ضد النظام السوري هم في الواقع مجموعات إسلامية متطرفة، وليسوا مجرد افراد من الشعب ينشدون التغيير، الأمر الذي جعل بعض الدول تعدل عن مساندتهم وبالتالي وقف دعمهم، وهذا  ما ساهم في تقويّة موقف الجيش السوري خاصة بعدما استطاعت الدبلوماسية السورية من اقناع دولة روسيا بالتدخل عسكريا ومحاربة “داعش” في سوريا جنبا الى جنب مع الجيش السوري! وهو ما مكّن الجيش السوري من استعادة اغلب المناطق التي كانت خارج سيطرته، وهاهو الجيش السوري اليوم على مقربة من استعادة كل الأرض السورية.

ليبيا، اول دول ما سمي “الربيع العربي” التي تحوّلت فيها الانتفاضة الى مسلحة،مباشرة بعد ان انقسم الليبيون على انفسهم، فريق مع النظام وفريق ضده، حيث جرت معارك دموية قتل فيها الكثير من الليبيين من الطرفين وزاد الامر تعقيدا عندما خرج الشرق الليبي كاملا عن سيطرة الحكومة المركزية، ثم التدخل الدولي استجابة لدعوة المندوب الليبي في الأمم المتحدة والمندوب الليبي في الجامعة العربية! حيث اذن مجلس الامن لحلف الناتو أولا بمنع الطيران فوق ليبيا، وثانيا بضرب كل المواقع العسكرية والتحصينات التي يمتلكها الجيش الليبي في المناطق الغربية والجنوبية، وهذا ما وفر غطاء جويا ومهد الطريق لتقدم القوات المناوئة لنظام القذافي حتى تمكنت من اسقاط النظام خلال 8 اشهر من القتال الدامي راح فيه المئات من الليبيين من الطرفين!

ان ليبيا شهدت بمجرد سقوط نظام القذافي حالة من الفوضى العارمة،حيث سيطرت المجموعات المسلحة على مفاصل الدولة، وعبثت بهياكلها وانفلت الأمن تماما في غياب كل الأجهزة الأمنية التي كانت قائمة، من امن داخلي وخارجي وشرطة، وتلاشى أي وجود للجيش النظامي، وفي ظل تلك الفوضى العارمة، انتشر السلاح واصبح مشاعا للجميع ما أدى الى نشوء عصابات مسلحة، احترفت اعمال القتل والحرابة والاعتقال على الهوية والنهب والسطو بقوة السلاح، وتكونت مجموعات متشددة سيطرت على الاجسام التشريعية والتنفيذية وجعلتها رهينة لأفكارهم ومعتقداتهم، التي نفثوا من خلالها سموم احقادهم، فانطلقوا بدوافع الانتقام ضد كل من يخالفهم الرأي، وعاثوا في ليبيا فسادا وافسادا وعبثوا باقتصادها ومواردها، من خلال عمليات نهب مركز للأموال،فبعثروا الإمكانيات واتلفوها حتى اوصلوا البلد بعد 7 سنوات الى حافة الانهيار الاقتصادي والافلاس!.

الآن بعد مضي 7 سنوات من عمر ما اطلق عليه مجازا “ثورات”انقلبت واقعيا الى “نكبات”، فحوّلت حياة  شعوب هذه الدول الى جحيم يتلظى ويشتد سعيره كل يوم جديد،ليأتي على الأخضر واليابس، ماذا عسانا ان نقول عن ربيع مؤجل طال انتظاره؟! وقد لا يأتي ابدا! ، ام أن 7 سنين كافية لأن تكون عمرا للفوضى يتوقف عنده تأثيرها، فتتلاشى وتصبح من الماضي، حتما لن نفقد الأمل فالشعوب لا يقاس عمرها بالسنين، ولهذا ستكون مسيرة 7 سنوات بمثابة فجوة بين زمنين، يردف آخرهما الأول فيجبّ ما قبله،ليؤسس لحاضر ومستقبل مشرق لشعوب ارهقها الانتظار على شاطئ الصبر المكبل باليأس، فمن رحم المعاناة يولد الأمل ومن براثن الموت تنتزع الحياة وما بعد الشدة الا الفرج، وان مع العسر يسرا، ويمكن القول اذا ان ربيعنا المؤجل يطرق الأبواب!.