
ليبيا 24
ليبيا على مفترق طرق نقدي: مقترح لنظام مزدوج لإدارة سعر الصرف وسط فجوة مستعصيةليبيا 24 – في الوقت الذي تواصل فيه الأزمة الليبية تفريغ تعقيداتها على الوضع الاقتصادي، يبرز سعر صرف الدينار مقابل الدولار كواحد من أكثر المؤشرات حساسية، ليس فقط لقياس صحة الاقتصاد، ولكن أيضاً لقياس درجة الاستقرار السياسي والثقة في المؤسسات. فشاشات أجهزة الصراف الآلي ومكاتب الصرافة تحكي قصة انقسام يومي: سعر رسمي تشرف عليه الدولة، وآخر موازٍ يعكس بصراحة قاسية ضغوط السوق وقلة الموثوقية.
معضلة مستمرة رغم الإجراءاتعلى الرغم من الجهود الحثيثة التي بذلها مصرف ليبيا المركزي خلال العام الجاري 2025، والتي شملت إعادة تسعير للدينار وتنظيماً أكبر لسوق الصرافة، إلا أن الفجوة بين السعرين ظلت عصية على الانغلاق. هذه الفجوة ليست مجرد رقم مالي، بل هي ترجمة لحزمة معقدة من التحديات الهيكلية التي تواجهها البلاد، تتراوح بين التوسع النقدي غير المدعوم والإنفاق العام المرتفع والاعتماد شبه الكلي على إيرادات النفط المتقلبة.في هذا السياق، يطفو على السطح مقترح اقتصادي جريء يهدف إلى كسر الحلقة المفرغة التي يعيشها السوق النقدي الليبي.
يدعو الخبير الاقتصادي الليبي سليمان الشحومي، عبر تحليل موسع نشره على منصاته الاجتماعية، إلى اعتماد نموذج مزدوج مُدار لسعر الصرف، يعترف بواقع السوق ذي المسارين ويحاول توجيهه بدلاً من تجاهله أو قمعه بإجراءات قد تكون مسكنة مؤقتة.جوهر المقترح: الجمع بين الثبات والمرونةيقوم المقترح على ركيزتين أساسيتين:
1. مسار رسمي ثابت: الإبقاء على سعر صرف رسمي مستقر يُستخدم حصرياً لتمويل الواردات الأساسية (مثل الغذاء والدواء) ولتسوية الحوالات المالية عبر القنوات المصرفية التقليدية. وهذا من شأنه حماية السلع الاستراتيجية من تقلبات السوق الموازي وضمان استمرار تدفقها، مع تطبيق كامل إجراءات مكافحة غسل الأموال و”اعرف عميلك”.
2. مسار سوقي مُدار: فتح نافذة جديدة بين المصرف المركزي وشركات الصرافة الخاصة المرخصة، يتم من خلالها تداول الدولار النقدي (الكاش) بسعر أكثر مرونة وقرباً من سعر السوق الموازي، لكن ضمن نطاق سعري محدد وشفاف تشرف عليه السلطة النقدية.يهدف هذا النظام الهجين إلى امتصاص الطلب على الدولار النقدي من خلال قناة رسمية ومرخصة، مما يقلل من حجم التداول في السوق السوداء غير المنضبطة. وبالتدريج، ومع تعزيز الثقة في القناة الرسمية المرنة، من المتوقع أن يبدأ الفارق بين السعرين في التضاؤل بشكل طبيعي.
تشخيص الجذور: لماذا فشلت الحلول التقليدية؟لفهم منطق هذا المقترح، يجب الغوص في الأسباب الجذرية للأزمة، والتي يحددها التحليل في ثلاثة محاور رئيسية:
1. التوسع النقدي والسيولة خارج المصارف:تشير أحدث البيانات الصادرة عن المصرف المركزي حتى منتصف عام 2025 إلى استمرار نمو عرض النقود (M2) بمعدلات تفوق نمو الاقتصاد الحقيقي.
الأكثر خطورة هو الحجم الكبير للنقد المتداول خارج القطاع المصرفي، مما يعني أن جزءاً كبيراً من السيولة يدور في فضاء خارج سيطرة السياسات النقدية التقليدية، مثل تعديل أسعار الفائدة أو إصدار شهادات الإيداع، التي يفقد جزء من فاعليتها في هذه الحالة. قرار رفع نسبة الاحتياطي الإلزامي إلى 30% كان خطوة سريعة لكبح جماح الائتمان، لكنه يحتاج إلى أدوات مكملة لامتصاص هذه السيولة الهائمة.2. الإنفاق العام: المحرك الخفي للطلب على العملة الصعبة:لا يمكن فصل الضغوط على سعر الصرف عن سياسات المالية العامة. فالنفقات الحكومية المرتفعة، خاصة في بنود الرواتب والدعم، تخلق طلباً محلياً قوياً على السلع، جزء كبير منها مستورد، مما يزيد الضغط على الطلب على الدولار.
ويؤدي عدم وجود ضبط متدرج وحقيقي لهذا الإنفاق، أو تحسن ملحوظ في الإيرادات غير النفطية، إلى تحويل الموازنة العامة نفسها إلى مصدر دائم للضغط على ميزان المدفوعات وسعر الصرف.3. النفط: شريان الحياة ومصدر الهشاشة:لا تزال ليبيا سجينة اقتصاد الريع النفطي.
فأي تعطل في الإنتاج أو هبوط في الأسعار العالمية ينعكس فوراً وبقوة على مستوى الاحتياطيات من العملة الأجنبية وعلى ثقة المتعاملين في السوق، مما يدفع بسعر الصرف الموازي للارتفاع. لذلك، فإن استقرار سعر الصرف مرهون إلى حد كبير باستقرار وتحييد قطاع النفط عن التجاذبات السياسية والأمنية.متطلبات النجاح وتحديات التنفيذتحويل هذا المقترح إلى حقيقة على الأرض يتطلب شروطاً أساسية لا غنى عنها، أبرزها:· إطار تنظيمي صارم: وضع تشريعات واضحة توحد معايير العمل بين المصرف المركزي والبنوك وشركات الصرافة، مع التأكيد على التزام الجميع بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.· منصة إلكترونية شفافة: تطوير منصة حكومية تعرض في الوقت الفعلي أسعار التداول في سوق الصرافة المُدارة، وحصص كل شركة، وحجم المعاملات، لضمان الشفافية ومنع التلاعب.
· أدوات امتصاص السيولة: إطلاق أدوات نقدية مبتكرة وجاذبة، مثل شهادات ادخار بعائد حقيقي إيجابي (أعلى من معدل التضخم)، لتشجيع المواطنين على إيداع أموالهم خارج التداول والعودة إلى القطاع المصرفي الرسمي.· انضباط مالي حكومي: التزام من الحكومة بمراجعة هيكل الإنفاق العام والبدء في إصلاحات تدريجية للدعم، لتقليل الضغوط الهيكلية على الطلب على الدولار.· استراتيجية اتصال فعالة: شرح خطة الانتقال للجمهور بشكل واضح ومستمر لإدارة التوقعات وكسب ثقة السوق.أما التحديات والمخاطر فأبرزها خطر تسرب الدولار من القناة المُدارة إلى السوق السوداء إذا فُقدت الرقابة، وعدم تحقيق عدالة في توزيع حصص الدولار بين المناطق الجغرافية المختلفة، وتسارع ظاهرة “الدولرة” حيث يفضل الأفراد الاحتفاظ بمدخراتهم بالدولار بدلاً من الدينار.
مستقبل الأزمة: ثلاثة سيناريوهات محتملةأمام ليبيا، وفقاً للتحليل، عدة مسارات محتملة خلال الأشهر المقبلة:
1. سيناريو الإصلاح الشامل (المستهدف): تبني النظام المزدوج المُدار بشكل متكامل، مع إلغاء تدريجي للرسوم على العملة، وإطلاق أدوات امتصاص سيولة فاعلة. النتيجة المتوقعة: تضييق مستمر للفجوة وتراجع تدريجي لحجم الاقتصاد غير الرسمي.
2. سيناريو الحلول الجزئية (الواقعي لكن الهش): الاستمرار في نهج المسكنات، مثل ضخ كميات متقطعة من الدولار للصرافة دون خطة شاملة. النتيجة: تحسن مؤقت وسريع الزوال، يعقبه عودة الفجوة للتسعير عند أول أزمة.
3. سيناريو التدهور (الكارثي): استمرار التوسع النقدي وعدم معاللة الاختلالات المالية وتعرض قطاع النفط لصدمات. النتيجة: اتساع غير مسبوق للفجوة، وموجة تضخم جامحة، وربما خفض جديد وقاسي لقيمة الدينار.
الخلاصة:
الاستقرار قرار سياسي بآليات اقتصاديةتبقى المعضلة النقدية في ليبيا في جوهرها انعكاساً لمعضلة سياسية. فاستقرار سعر الصرف ليس مجرد مسألة تقنية يمكن للمصرف المركزي حلها بمفرده.
إنه نتاج لقرار سياسي يتبنى خيار الإصلاح الجذري والشامل، الذي يجمع بين الانضباط النقدي والواقعية الاقتصادية والشفافية. النجاح في تبني مقاربة جديدة كالتي يُطرح للنقاش قد يشكل جسراً يعبر بالاقتصاد الليبي من حالة التشوه والازدواجية إلى فضاء أكثر استقراراً وموثوقية، حيث لا تعود شاشة السوق الموازي هي المقياس الحقيقي لثقة الليبيين في اقتصادهم ومستقبلهم.



