ليبيا على حافة أزمة مالية مع تراجع الإيرادات النفطية وارتفاع الإنفاق
مصرف ليبيا المركزي يحذر من تآكل الاحتياطي النقدي بسبب العجز المزدوج
ليبيا 24
ليبيا على مفترق طرق اقتصادي: عجز مزدوج وضغوط متصاعدة على الاحتياطي النقدي
تحذيرات من تآكل قيمة العملة المحلية وتردي القوة الشرائية للمواطنين
تواجه ليبيا مرحلة بالغة الخطورة على صعيد الاقتصاد الكلي، حيث تتعاظم المؤشرات السلبية الناجمة عن تراجع الإيرادات النفطية مقابل تصاعد الإنفاق العام، مما يهدد بتمديد أزمات متعددة يعاني منها المواطنون منذ سنوات. وتكشف البيانات الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي عن اتساع رقعة الخلل الهيكلي في الموازنة العامة وميزان المدفوعات، في وقت حذر فيه خبراء اقتصاديون من تداعيات خطيرة على الاحتياطي الأجنبي والقيمة الشرائية للدينار.
■ فجوة الإيرادات والإنفاق: مشهد الأرقام المفزع
وفقاً لأحدث البيانات الرسمية، سجل عجز ميزان النقد الأجنبي مستويات قياسية بلغت 6.7 مليارات دولار حتى نهاية أكتوبر الماضي، في مؤشر واضح على اختلال التوازن بين تدفقات النقد الأجنبي الداخلة والخارجة. ويرجع هذا العجز بشكل رئيسي إلى الهوة الساحقة بين الإيرادات النفطية التي بلغت 19.3 مليار دولار، واستخدامات النقد الأجنبي التي قفزت إلى 26.1 مليار دولار.
ويوضح المحلل الاقتصادي علي الزليطني أن “تراجع الإيرادات النفطية وارتفاع الإنفاق العام خلقا ضغوطاً متزايدة على الاحتياطي الأجنبي”، مشيراً إلى أن “الطلب على الدولار لا يزال مرتفعاً رغم تعديل سعر الصرف في أبريل الماضي”.
■ الإنفاق المزدوج: استنزاف للموارد في ظل انقسام سياسي
يبرز أحد أهم العوامل المسببة للأزمة الحالية في استمرار توزيع الإنفاق على حكومتين، حيث كشف محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال مؤتمر الاستثمار المصرفي الذي عقد مطلع نوفمبر أن “الإنفاق العام يُوزّع على حكومتين بقيمة ثلاثة مليارات دولار شهرياً، بينما لا تتجاوز الإيرادات النفطية 1.5 مليار دولار”.
ويعلق المحلل المالي عبد الناصر الميلودي على هذه النقطة بالقول: “ليبيا تواجه عجزاً مزدوجاً، في ميزان المدفوعات وفي الموازنة العامة، لافتاً إلى أن “غياب سياسة مالية موحدة واستمرار الإنفاق على جبهتين يعرقل أي إصلاح اقتصادي فعلي”.
■ هيكلية الإنفاق: فاتورة باهظة تلتهم الموارد
تكشف تفاصيل الإنفاق العام عن اتجاهات مثيرة للقلق، حيث بلغ إجمالي الإنفاق 95.1 مليار دينار، موزعة على بنود رئيسية تشمل 55.2 مليار دينار للمرتبات، و4.2 مليارات للنفقات التسييرية، و3.7 مليارات للتنمية، و32 ملياراً لبند الدعم.
أما على صعيد استخدامات النقد الأجنبي، فقد أظهرت البيانات أن 5.6 مليارات دولار ذهبت للقطاع الحكومي، شملت رواتب العاملين في الخارج (287.6 مليون دولار)، ومنح الطلبة (120 مليون دولار)، والمؤسسة الوطنية للنفط (440 مليون دولار)، وفاتورة المحروقات (2.68 مليار دولار)، والشركة العامة للكهرباء (592 مليون دولار)، وجهاز تنفيذ الإسهار والمرافق (241 مليون دولار)، إضافة إلى تحويلات لجهات أخرى.
■ القطاع المصرفي: استخدامات متعددة للنقد الأجنبي
بلغت استخدامات المصارف التجارية من النقد الأجنبي نحو 20.48 مليار دولار، توزعت بين الاعتمادات المستندية (12.8 مليار دولار)، والحوالات السريعة (411 مليون دولار)، والأغراض الشخصية (7.15 مليارات دولار)، وبطاقات صغار التجار (77.3 مليون دولار).
ويشير هذا التوزيع إلى استمرار الاعتماد الكبير على النقد الأجنبي في تمويل الواردات والتحويلات الشخصية، مما يزيد الضغط على الاحتياطي الأجنبي في ظل تراجع الإيرادات النفطية.
■ الإيرادات العامة: هيمنة النفط وغياب التنوع
بلغت الإيرادات العامة 103 مليارات دينار، وتوزعت بين مبيعات النفط (86.6 مليار دينار)، والإتاوات النفطية (14.9 مليار دينار)، إلى جانب إيرادات الضرائب (مليار دينار)، والجمارك (143 مليون دينار)، والاتصالات (57 مليون دينار).
وتكشف هذه الأرقام عن استمرار الاعتماد شبه الكلي على القطاع النفطي في تمويل الموازنة، حيث تشكل الإيرادات النفطية ما نسبته 98.4% من إجمالي الإيرادات، في حين تبقى الإيرادات غير النفطية هامشية وضعيفة.
■ سياسة سعر الصرف: إجراءات غير كافية
حققت الرسوم المفروضة على مبيعات النقد الأجنبي بنسبة 15% على السعر الرسمي المعدل في أبريل الماضي إيرادات قدرها 19.5 مليار دينار. ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذه الإجراءات لم تكن كافية لمعالجة الاختلالات الهيكلية في سوق الصرف الأجنبي.
ويحذر الزليطني من أن “هذا الطلب المفرط يُنذر بتآكل قيمة الدينار الليبي ويضعف القوة الشرائية للمواطنين، خصوصاً ذوي الدخل المحدود الذين لا تتجاوز رواتبهم 900 دينار شهرياً”.
■ الاحتياطي الأجنبي: أرقام مطمئنة تخفي مخاوف حقيقية
بلغ إجمالي الأصول الأجنبية للمصرف المركزي حتى نهاية أكتوبر 98.8 مليار دولار، مقارنة بـ 95.5 مليار دولار في نهاية عام 2024. ويبدو هذا الرقم مطمئناً من الناحية النظرية، لكن المحلل الميلودي يحذر من أن “الوضع المالي الحالي لا يعكس استقراراً مستداماً، خصوصاً في ظل تراجع أسعار النفط العالمية التي تمثل العمود الفقري للإيرادات والمصدر الأساسي للنقد الأجنبي”.
■ سيناريوهات المستقبل: بين التفاؤل الحذر والمخاوف المشروعة
يواصل المصرف المركزي الاعتماد على عوائد استثماراته في الخارج، بما في ذلك الودائع والسندات والذهب، لتغطية العجز في ميزان النقد الأجنبي، إضافة إلى تحقيق فائض في ميزان المدفوعات بقيمة 1.7 مليار دولار. لكن استمرار هذا النهج يبقى رهناً باستقرار الأسواق المالية العالمية وأسعار الفائدة.
■ الخلاصة والتوصيات
تشير كل المؤشرات إلى أن الاقتصاد الليبي يحتاج إلى إصلاحات هيكلية عاجلة، تبدأ بإعادة هيكلة الإنفاق العام وتبني سياسة مالية موحدة، والعمل على تنويع مصادر الإيرادات بعيداً عن الاعتماد شبه الكلي على النفط. كما تحتاج سياسة سعر الصرف إلى مراجعة شاملة تأخذ في الاعتبار التوازن بين حماية الاحتياطي الأجنبي والحفاظ على القيمة الشرائية للدينار.
ويبقى تحقيق الاستقرار السياسي شرطاً أساسياً لأي إصلاح اقتصادي حقيقي، حيث أن استمرار الإنفاق المزدوج في ظل الانقسام السياسي يعني استنزافاً متواصلاً للموارد التي يحتاجها الاقتصاد الليبي للخروج من أزمته المتفاقمة.



