“حوار المهيكل” في طرابلس: مشهدية سياسية جديدة تفتقر لضمانات التنفيذ وتواجد فاعلين أساسيين
"حوار المهيكل" الأممي في طرابلس: إطلاق جديد لمسار مأزوم وسط شكوك ليبية عميقة في جدواه

ليبيا 24
انطلقت في طرابلس، تحت رعاية بعثة الأمم المتحدة، جلسات ما يُسَمّى “الحوار المهيكل”، وسط موجة عارمة من التشكيك والرفض الشعبي والنخبوي لمخرجات المسارات السياسية المشابهة التي لم تُفضِ خلال السنوات الماضية إلا إلى مزيد من التعقيد والانقسام.
ويرى مراقبون ليبيون أن هذا الحوار، رغم ضخامة عدد المشاركين الـ 120 والمزاعم حول تنوعهم الجغرافي والاجتماعي، يكرر نفس النموذج القائم على “الانتقائية” و”الاستبعاد المقصود” لقوى وتيارات مؤثرة على الأرض، بينما يمنح شرعية لأسماء قد لا تملك قدرة حقيقية على صنع القرار أو تغيير الواقع.
استياء شعبي واستبعاد ممنهج
يتصاعد الاستياء بين الليبيين الذين أنهكتهم الحلول الجاهزة والمبادرات الدولية التي تتبع، في نظرهم، أجندات خارجية أكثر مما تخدم المصلحة الوطنية. ويشير منتقدون إلى أن جدول أعمال الحوار ومحاوره المعلنة – الحوكمة، الاقتصاد، الأمن، المصالحة – هي نفس العناوين المتكررة منذ سنوات دون أي تقدم فعلي يذكر.
الأمر الأكثر إثارة للسخط، وفقاً لمعارضين، هو استمرار منهجية “الفرز” و”الترشيحات” التي تتحكم بها البعثة الأممية، والتي يستبعد بمقتضاها – تحت ذرائع معايير غامضة – شخصيات وأطراف يعتبرها جزء كبير من الليبيين ممثلاً حقيقياً لهم أو فاعلاً أساسياً في المعادلة. بينما يُدخل الحوار أسماء تثير علامات استفهام كبيرة حول معايير اختيارها الحقيقية وخلفياتها وولاءاتها.
سؤال الشرعية والفاعلية
يثير الحوار تساؤلات جوهرية حول شرعيته وفاعليته: من الذي يمنح هذا التجمع الحق في الحديث باسم الليبيين؟ وما هي الضمانات التي تثبت أن توصياته – إن خرجت – ستُحترم من قبل القوى الفاعلة على الأرض، سواء كانت حكومات أم كيانات مسلحة؟ التاريخ القريب يشير إلى أن عشرات التوصيات والاتفاقيات السابقة، التي رعتها المنظمة الدولية نفسها، بقيت حبيسة الأدراج أو تحولت إلى ورقة للاستقطاب والمماطلة.
العديد من الليبيين يعبرون عن قناعتهم بأن هذه العملية هي مجرد “مسرحية” أو “غطاء” لتكريس الوضع القائم وإضفاء شرعية زائفة على أطراف وتوزيع جديد للكراسي، بينما تبقى القضايا الجوهرية المتعلقة بالسيادة والثروة والهوية والأمن خارج الحساب.
خريطة طريق إلى المجهول
يُطرح الحوار على أنه جزء من “خارطة طريق” نحو الانتخابات، لكن الشارع الليبي، الذي خاب أمله مراراً، لم يعد يثق بهذه “الخرائط”. فالمطلوب، بحسب رأي سائد، ليس مزيداً من الحوارات في القاعات المغلقة، بل إرادة سياسية حقيقية وضغط دولي جاد لنزع السلاح وتوحيد المؤسسات وتهيئة بيئة نزيهة للاقتراع، وهو ما لا ترى فيه الأوساط المشككة أي بادرة جدية.
انطلاق الحوار، بهذا الشكل وفي هذا التوقيت، لا يُقرأ في الداخل الليبي إلا على أنه محاولة أخرى لاسترضاء المجتمع الدولي وإنتاج صورة “تفاؤلية” زائفة، بينما تستمر معاناة المواطن من انعدام الخدمات وتدهور الاقتصاد وانتشار السلاح وانقسام المؤسسات. السخط ليس على فكرة الحوار بحد ذاتها، بل على آليته المشبوهة وأهدافه الملتبسة وتوقيته غير المناسب، وما يبدو كهروب للأمام من مواجهة الجذور الحقيقية للأزمة.



