تعديلات بلا تفاصيل.. حكومة الدبيبة تعيد إنتاج خطاب البقاء
تعديلات مرتقبة في طرابلس تثير تساؤلات النوايا وجدوى الإصلاح
ليبيا 24
حكومة الدبيبة تلوّح بتعديلات إصلاحية وسط مأزق الشرعية المتجدد
أعادت حكومة الدبيبة منتهية الولاية فتح ملف التعديلات الوزارية، معلنة اعتزامها إدخال تغييرات وصفتها بـ«الإصلاحية» خلال الأيام المقبلة، في خطوة أثارت تساؤلات سياسية وقانونية حول توقيتها ومضمونها، ومدى ارتباطها بإصلاح مؤسسي حقيقي أو بمحاولة إعادة تموضع داخل مشهد مأزوم تعصف به أزمة شرعية ممتدة.
وجاء الإعلان مقتضبًا، خاليًا من أي تفاصيل تتعلق بحجم التعديلات أو طبيعتها أو المعايير التي ستُعتمد في اختيار الأسماء الجديدة، مكتفيًا بعبارات عامة عن «رفع مستوى الكفاءة» و«تعزيز الأداء المؤسسي» و«توسيع دائرة التوافق»، وهي مفردات تكررت في بيانات سابقة دون أن تترجم إلى تغييرات ملموسة على الأرض.

سياق سياسي مأزوم وتوقيت إشكالي
يأتي هذا الإعلان في وقت لا تزال فيه حكومة الدبيبة منتهية الولاية موضع انقسام سياسي حاد، باعتبارها حكومة انتقالية انتهت ولايتها وفق خارطة الطريق الأممية السابقة، دون أن تفضي إلى الانتخابات التي تعهدت بها، ما جعل أي خطوة تنفيذية جديدة تُقرأ سياسيًا باعتبارها امتدادًا لمسار إدارة الأزمة لا حلّها.
ويرى متابعون أن الحديث عن تعديلات وزارية في ظل غياب إطار دستوري متفق عليه، ووسط انقسام مؤسساتي حاد، يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل تهدف الخطوة إلى إصلاح فعلي داخل الجهاز التنفيذي، أم إلى إعادة توزيع أدوار داخل حكومة تسعى إلى تثبيت وجودها أطول فترة ممكنة؟
إصلاح إداري أم إعادة تدوير سياسية؟
لم تُرفق الحكومة إعلانها بأي تقييم علني لأداء الوزراء الحاليين، ولم تحدد أوجه القصور التي تستدعي التعديل، ما يُضعف سردية «الإصلاح» ويجعلها أقرب إلى إعادة تدوير سياسية منه إلى مراجعة مؤسسية شاملة.
كما أن سدّ «الشواغر الوزارية»، الذي ورد في البيان، يفتح بدوره بابًا للتساؤل حول أسباب استمرار هذه الشواغر طوال الفترة الماضية، وكيف يمكن لحكومة ترفع شعار الكفاءة أن تبقي مواقع سيادية دون شغل فعلي، ثم تطرح ذلك لاحقًا باعتباره إنجازًا مرتقبًا.
البعثة الأممية: مسار موازٍ بلا نتائج حاسمة
على صعيد المسار السياسي، رحبت حكومة الدبيبة منتهية الولاية بإطلاق بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لما سمّي «الحوار المهيكل»، معتبرة أنه يهدف إلى خلق مناخ سياسي إيجابي يمهّد لإجراء الانتخابات.
غير أن هذا الترحيب لا يخلو من مفارقة؛ إذ أن المسارات الأممية المتعددة، على مدار سنوات، لم تنجح في كسر الحلقة المفرغة للفترات الانتقالية، بل أسهمت في بعض الأحيان في إطالة أمدها عبر إنتاج صيغ توافقية هشة، سرعان ما تتعطل عند أول اختبار عملي.
ويشير منتقدون إلى أن الإشكالية لا تكمن في غياب الحوارات أو المسارات، بل في غياب آليات إلزام واضحة، وفي استمرار التعامل مع الحكومات القائمة باعتبارها أمرًا واقعًا، بغض النظر عن مسألة الشرعية الزمنية أو السياسية.
الدستور والانتخابات: خطاب مزدوج
جدّدت حكومة الدبيبة تمسكها بأولوية الاستفتاء على مشروع الدستور قبل إجراء الانتخابات، وهو موقف لطالما شكّل نقطة خلاف رئيسية مع أطراف سياسية أخرى ترى أن هذا الطرح يُستخدم كآلية تأجيل إضافية.
ورغم إبدائها انفتاحًا لفظيًا على «الذهاب المباشر إلى الانتخابات» في ضوء ما وصفته باختراق لحالة الجمود، فإن الحكومة لم تقدم تصورًا عمليًا لكيفية تجاوز الخلافات العميقة حول القوانين الانتخابية، ولا حول الجهة المخولة بإقرارها أو تعديلها.
وتبقى القوانين الصادرة عن لجنة (6+6) مثالًا حيًا على هذا التعقيد، إذ لا تزال محل جدل قانوني وسياسي، في ظل غياب توافق وطني شامل، وعدم وجود مرجعية دستورية حاسمة تحسم الخلاف.
التزام معلن وواقع معطّل
تؤكد حكومة الدبيبة التزامها بدعم أي مسار يقود إلى الانتخابات وتجديد الشرعية، غير أن هذا الالتزام ظل حتى الآن في إطار الخطاب السياسي، دون أن يقترن بإجراءات عملية تُقنع الرأي العام الليبي بأن السلطة التنفيذية مستعدة فعليًا لتسليم السلطة عبر صناديق الاقتراع.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو التعديلات الوزارية المرتقبة خطوة إدارية معزولة عن جوهر الأزمة، ما لم تُرفق بخارطة طريق واضحة، وجداول زمنية ملزمة، وضمانات تحول دون استخدام «الإصلاح» غطاءً لاستمرار الوضع القائم.



