أخبار العالمليبيا

ليبيا.. قرار يقيّد الإعلانات النسائية ويشعل جدل الحريات العامة

حظر ترويجي للنساء يفجّر نقاشًا حقوقيًا واسعًا بليبيا

ليبيا 24

قرار إداري يشعل نقاشًا يتجاوز الإعلان إلى جوهر الحقوق

أعاد قرار صادر عن جهاز حماية الآداب العامة الجدل حول حدود السلطة الإدارية، وتعريف “الآداب العامة”، ومكانة المرأة في الفضاء العام، بعدما قضى بحظر ظهور النساء العاملات في مجال الترويج لمناسبات نسائية ضمن إعلانات تخص منتجات ومستحضرات التجميل، إلا بعد الحصول على تصريح مسبق. القرار، الذي وُصف بأنه تنظيمي من قبل الجهة المُصدِرة له، تحوّل سريعًا إلى قضية رأي عام، متجاوزًا الإطار الإعلاني الضيق إلى نقاش أوسع يمسّ الحقوق والحريات والعمل والتمييز القائم على النوع الاجتماعي.

مضمون القرار وحدوده المعلنة

بحسب البيان الرسمي، يندرج القرار ضمن “الحرص على تعزيز القيم السلوكية للمجتمع الليبي والحفاظ على السلوك العام”، مع التأكيد على ضرورة التزام المراكز الرياضية النسائية ومراكز التجميل بالضوابط المنظمة لعملها. ويشترط القرار الحصول على تصريح مسبق قبل تصوير أو نشر أي مواد دعائية للأنشطة أو المنتجات أو المحال التجارية، مع التهديد باتخاذ إجراءات قانونية بحق المخالفين.

ورغم أن لغة البيان بدت عامة، فإن تركيزه على “ظهور النساء العاملات في مجال الترويج” أثار تساؤلات حول مدى شمول القرار، ومعاييره التطبيقية، والتمييز الضمني الذي قد ينطوي عليه، خصوصًا في قطاع يعتمد بشكل أساسي على الظهور النسائي بحكم طبيعته.

انقسام مجتمعي بين التنظيم والتقييد

فور صدور القرار، انقسمت الآراء بين من رأى فيه إجراءً تنظيميًا يهدف إلى ضبط المحتوى المرئي المنتشر على منصات التواصل الاجتماعي، وبين من اعتبره خطوة تقييدية تمسّ حرية المرأة في العمل والتعبير، وتفتح الباب أمام تدخلات أمنية واسعة في النشاط الاقتصادي الخاص.

أنصار القرار يرون أن الفضاء الرقمي بات يعج بمحتوى “غير منضبط”، وأن غياب الرقابة أفضى إلى تجاوزات تمس الذوق العام، معتبرين أن التنظيم المسبق يضمن حماية القيم المجتمعية ويضع معايير واضحة للمحتوى الإعلاني.

في المقابل، يشدد معارضو القرار على أن المشكلة لا تكمن في وجود النساء داخل الإعلانات، بل في طبيعة المحتوى ذاته، محذرين من أن استهداف فئة بعينها يرسخ تمييزًا مؤسسيًا ويقوّض مبادئ المساواة.

منظمات المجتمع المدني: خلط بين الآداب والعمل

ناشطون في منظمات المجتمع المدني اعتبروا أن القرار يخلط بين مفهوم الآداب العامة والنشاط الاقتصادي المشروع، ويمنح الأجهزة الأمنية سلطة تقديرية واسعة لتحديد ما يجوز نشره وما لا يجوز، دون معايير واضحة أو آليات رقابة قضائية فعّالة.

ويرى هؤلاء أن اشتراط التصريح المسبق قبل أي نشر دعائي يشكل قيدًا إضافيًا على حرية العمل، خصوصًا في ظل هشاشة القطاع الخاص، واعتماد عدد كبير من النساء على التسويق الرقمي كمصدر دخل رئيسي في ظل أوضاع اقتصادية صعبة.

الاتحاد النسائي الليبي: خطوة إلى الوراء

دخل الاتحاد النسائي الليبي العام على خط الجدل، حيث وصفت رئيسته فتحية البخبخي القرار بأنه “خطوة إلى الوراء بالنسبة إلى ليبيا”، معتبرة أنه يعزز التمييز على أساس الجندر، ويمهّد لهيمنة ذكورية تقلّص حضور المرأة في المجال العام.

وأكدت البخبخي أن مثل هذه القرارات لا يمكن فصلها عن سياق أوسع يشهد محاولات متكررة لإعادة تعريف دور المرأة ضمن أطر ضيقة، بدل دعم مشاركتها الاقتصادية والاجتماعية، لا سيما في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى توسيع قاعدة العمل والإنتاج.

قراءة حقوقية: الخصوصية أم الإقصاء؟

من جانبها، عبّرت الناشطة الحقوقية عبير أمنينه عن استيائها من القرار، مشيرة إلى أن التصوير الإعلاني يتم، في الأصل، بالرضا، ما يفرغ حجة “حماية الخصوصية” من مضمونها. ولفتت إلى أن الإشكال الحقيقي يكمن في ما إذا كان الهدف هو تنظيم المحتوى أم تقليص النشاط التسويقي للنساء.

وأكدت أن أي تنظيم مهني يجب أن يكون محايدًا جندريًا، ويخضع لمعايير واضحة تطبق على الجميع دون تمييز، محذّرة من أن القرارات الانتقائية قد تفتح الباب أمام انتهاكات أوسع لحرية العمل والتعبير.

تفاعل رقمي واسع ومواقف متباينة

على منصات التواصل الاجتماعي، اتخذ الجدل بعدًا أكثر حدّة. فقد عبّر ناشطون ومدونات وفنانات عن رفضهم للقرار، معتبرين أنه يفرض قيودًا جديدة على البلوقرات والمدونات وعارضات الأزياء، ويقوّض فرصهن في سوق العمل الرقمي.

المدونة زينة ركين رأت أن معيار الحماية يجب أن ينصب على المحتوى لا على جنس من يظهر فيه، معتبرة أن استهداف النساء تحديدًا يمثل تراجعًا في حرية التعبير والعمل. أما حنان العربي، فاعتبرت القرار “عائمًا”، مطالبة بتركيز الجهود على منع المحتوى غير اللائق بدل إقصاء النساء من المشهد الإعلاني.

في سياق أكثر حدة، كتب الفنان التشكيلي شيركو متسائلًا عن أولويات المنع والعقاب، في مقارنة لافتة بين قضايا اجتماعية خطيرة، وممارسة عمل تجاري عبر الهاتف، معتبرًا أن الخلل يكمن في ترتيب الأولويات لا في وجود النساء بالإعلانات.

تداعيات اقتصادية واجتماعية محتملة

يتخوف مراقبون من أن يؤدي القرار إلى إلحاق أضرار مباشرة بقطاع صغير لكنه متنامٍ، يعتمد على التسويق الرقمي والإعلانات المصورة، وتشكّل النساء عموده الفقري. كما يحذرون من أن القيود الجديدة قد تدفع النشاط الإعلاني إلى العمل في الظل، بدل تنظيمه ضمن أطر قانونية واضحة.

على المستوى الاجتماعي، يرى مختصون أن مثل هذه القرارات قد تعمّق فجوة الثقة بين المؤسسات الرسمية وشرائح واسعة من المجتمع، خصوصًا النساء والشباب، وتغذّي شعورًا بالإقصاء بدل الشراكة.

بين التنظيم والحريات: سؤال مفتوح

يبقى الجدل مفتوحًا حول كيفية تحقيق توازن حقيقي بين الحفاظ على القيم المجتمعية وصون الحقوق والحريات الأساسية. ففي غياب تعريف دقيق للآداب العامة، ومعايير شفافة للتنظيم، يخشى كثيرون أن يتحول القرار من أداة تنظيمية إلى سابقة تقييدية، تعيد طرح سؤال قديم جديد: أين تنتهي سلطة الدولة، وأين تبدأ حرية الفرد؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى