أزمة نقدية في ليبيا.. الدولار يضغط على الدينار ومعيشة المواطن
الاستقرار الاقتصادي في ليبيا رهين القرار السياسي والإدارة الكفؤة

تعيش ليبيا واحدة من أكثر مراحلها الاقتصادية تعقيداً، في ظل تفاقم الأزمة النقدية وارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الدينار الليبي، وهو واقع ألقى بظلاله الثقيلة على حياة المواطنين ومعيشتهم اليومية. فقد تزامن هذا التدهور المتسارع مع مشهد سياسي منقسم وتخبط واضح في السياسات المالية والنقدية، الأمر الذي انعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية، وأدى إلى تراجع القدرة الشرائية، وزيادة الأعباء المعيشية على الأسر الليبية، وسط مخاوف متصاعدة من اتساع رقعة الأزمة وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية على المديين القريب والمتوسط.
تراجع الدينار وغياب الحلول الجذرية
ويرجع استمرار ارتفاع سعر الدولار مقابل الدينار الليبي إلى مزيج معقد من العوامل الاقتصادية والسياسية المتداخلة، يتصدرها الطلب المرتفع على العملة الأجنبية مقابل محدودية مصادرها، في ظل اعتماد شبه كامل على عائدات النفط كمصدر رئيسي للنقد الأجنبي، ويُضاف إلى ذلك انتشار مظاهر الفساد، وتهريب العملة عبر منظومات الاعتمادات الوهمية، إلى جانب التدخلات السياسية وعدم الاستقرار الأمني والمؤسسي، ما أسهم في تآكل الثقة في الدينار الليبي، وزاد من ضعف السياسات النقدية، خاصة في ظل غياب رؤية موحدة بين شرق البلاد وغربها.
وقد انعكس تذبذب سعر الصرف وارتفاع الدولار بشكل مباشر على حياة المواطن، حيث شهدت أسعار السلع المستوردة ارتفاعاً ملحوظاً، باعتبار أن معظم احتياجات الليبيين تُستورد من الخارج. كما أدى ذلك إلى تآكل القدرة الشرائية للرواتب، لا سيما لدى الطبقتين المتوسطة والفقيرة، وتسبب في حالة من عدم الاستقرار داخل السوق، شجعت على تخزين الدولار والمضاربة به، وأسهمت في توسع السوق الموازي، وحرمان شرائح واسعة من المواطنين من الحصول على العملة الأجنبية بالسعر الرسمي.
الفساد والاعتمادات الوهمية.. نزيف مستمر
وفي هذا السياق، تتزايد الانتقادات الموجهة إلى أداء المصرف المركزي، الذي يُتهم بتكرار أخطاء تراكمت على مدى عقود، من خلال تبني قرارات أحادية، أبرزها اللجوء إلى تخفيض سعر الصرف تحت مبررات تتعلق بالاستدامة وحقوق الأجيال القادمة، دون معالجة جذرية للاختلالات الهيكلية في الاقتصاد. ويُنظر إلى قصور التنسيق بين السياسات النقدية والمالية والتجارية باعتباره عاملاً رئيسياً في تعميق الأزمة، بدلاً من احتوائها.
وعلى الرغم من حدة الأزمة، فإن ليبيا لا تفتقر إلى المقومات الاقتصادية والمالية، إذ يتمتع اقتصادها بموارد كبيرة، ومركز مالي يعد جيداً مقارنة بالعديد من الدول، غير أن غياب الإدارة الكفؤة، وتغليب التجاذبات السياسية على الاعتبارات الاقتصادية، حال دون استثمار هذه الإمكانات بالشكل الأمثل.
وقد أظهرت التجربة السابقة أن الانقسامات السياسية كان لها أثر بالغ على الأداء الاقتصادي، غير أن توحيد بعض المؤسسات السيادية، وعلى رأسها المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط ومؤسسات الاستثمار، أسهم في الحد من آثار الانقسام مقارنة بالفترة ما بين عامي 2015 و2020.
ومع ذلك، لا تزال انعكاسات ارتفاع الدولار وتذبذب سعر الصرف تلقي بثقلها على المجتمع، من خلال الارتفاع الكبير في أسعار السلع والخدمات، وتراجع مستوى دخل الفرد، واستنزاف مدخرات المواطنين، كما فقد عدد كبير من العاملين في القطاع الخاص وظائفهم، نتيجة عجز المؤسسات الصغيرة والمتوسطة عن التكيف مع التغيرات السريعة التي فرضتها تقلبات سعر الصرف، ما زاد من معدلات البطالة والهشاشة الاقتصادية.
وفيما يتعلق بالحلول الممكنة، فإن معالجة الأزمة الاقتصادية والنقدية تبدأ بتوحيد المؤسسات المالية، وفي مقدمتها المصرف المركزي، ووقف الانقسام السياسي، وتحسين إدارة الاحتياطي النقدي، وضبط منظومة الاعتمادات، بما يحد من الفساد ويقلص الطلب غير الحقيقي على الدولار.
كما تبرز الحاجة الملحة إلى وضع خطة استراتيجية شاملة، توحد بين السياسات التجارية والمالية والنقدية ضمن سياسة اقتصادية واحدة، تقوم على المتابعة اليومية والدقيقة للمتغيرات الاقتصادية، بل وعلى مدار الساعة عند الضرورة، بما يضمن سرعة التدخل وفاعليته.
ويبقى مستقبل الاستقرار الاقتصادي في ليبيا مرهوناً بقدرة صناع القرار على تجاوز الخلافات السياسية، واعتماد إدارة رشيدة تستثمر الموارد المتاحة، وتعيد الثقة في العملة الوطنية، بما يخفف من معاناة المواطن، ويضع الاقتصاد الليبي على مسار أكثر استقراراً واستدامة..



