إدارة الأزمة لا حلّها.. قراءة في مآلات الحوار المهيكل
الحوار المهيكل في ليبيا.. مسار بدأ بالإقصاء وقد ينتهي إليه

منذ أن أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن إطلاق الحوار المهيكل، قُدّم هذا المسار بوصفه محاولة جديدة لكسر حالة الجمود السياسي المستمرة، وإيجاد إطار جامع يمهّد لتسوية شاملة تُنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة،غير أن هذا الحوار، ومنذ لحظاته الأولى، وُضع في مرمى انتقادات حادة، لم تتركز حول الأشخاص المشاركين فيه بقدر ما انصبت على بنيته، ومنهجيته، والبيئة السياسية التي أُطلق فيها.
الإقصاء البنيوي لا الأشخاص… مأزق الحوار المهيكل في ليبيا
يذهب منتقدو الحوار إلى أن الإشكال الجوهري لا يكمن في أسماء أو شخصيات، بل في حقيقة أن مناطق كاملة وتيارات سياسية ذات ثقل فعلي في المشهد الليبي بدت غائبة أو مغيّبة عن هذا المسار.
هذا الغياب، وفق هذه الرؤية، لا يمكن اعتباره تفصيلاً إجرائياً، بل يعكس نمطاً متكرراً من الإقصاء السياسي، يُفرغ أي حوار من مضمونه الوطني، ويحوّله إلى نقاش نخبوي محدود التأثير، منفصل عن موازين القوة الحقيقية على الأرض.
ويُنظر إلى الحوار المهيكل على أنه امتداد لمسارات أممية سابقة عانت من المشكلة ذاتها، حيث جرى التعامل مع مفهوم «الشمول» بوصفه شعاراً أكثر منه ممارسة فعلية.
غياب مناطق وتيارات فاعلة يفرغ الحوار المهيكل من مضمونه
فبدلاً من إشراك مختلف المناطق والتيارات وفق وزنها السياسي والاجتماعي، تم اللجوء إلى آليات انتقاء غير واضحة، ما أثار شكوكاً واسعة حول معايير اختيار المشاركين، وحول مدى تمثيلهم الحقيقي للشارع الليبي أو لمؤسسات قائمة.
في هذا السياق، برزت انتقادات حادة تتعلق بغياب الشفافية.. فالبعثة الأممية لم تُعلن بشكل تفصيلي عن الأسس التي اعتمدتها في توجيه الدعوات أو تحديد نسب التمثيل، الأمر الذي فتح الباب أمام اتهامات بالمحاباة وإعادة تدوير النخب ذاتها التي ارتبط اسمها بمراحل سابقة لم تُفضِ إلى حلول.
ويعزز هذا الانطباع غياب دور واضح للمؤسسات المنتخبة، والمجالس المحلية، والكيانات الاجتماعية التقليدية، بما جعل الحوار يبدو معزولاً عن القواعد الشعبية التي يُفترض أنه يتحدث باسمها.
أحد أكثر أوجه الضعف التي أُخذت على الحوار المهيكل يتمثل في طبيعة مخرجاته.. فقد أكدت بعثة الأمم المتحدة أن ما سينتج عن هذا الحوار لن يتجاوز كونه توصيات غير ملزمة.
وفي بلد يعاني أصلاً من اضطرابات متعددة الأوجه يُنظر إلى هذا الطابع الاستشاري بوصفه نقطة تقويض أساسية لأي أثر عملي للحوار..فالتجربة الليبية أثبتت أن التوصيات التي لا ترتبط بآليات تنفيذ واضحة، ولا تحظى بضمانات داخلية أو دولية، سرعان ما تُهمَل أو تُستخدم بشكل انتقائي.
ويرى مراقبون أن الحوار، في صيغته الحالية، يفتقر كذلك إلى أدوات ضغط حقيقية..فالأمم المتحدة، في ظل انقسام المواقف الدولية، تبدو عاجزة عن فرض التزامات أو ربط المشاركة بنتائج ملزمة، ما يحوّل الحوار إلى مسار طوعي، يشارك فيه من لا يملك القدرة على التعطيل، بينما يغيب عنه من يمتلك مفاتيح الحل أو الإبقاء على حالة الجمود.
كل ذلك يثير مخاوف جدية من أن ينتهي الحوار المهيكل إلى إعادة إنتاج الأزمة ذاتها، بدل تفكيكها حيث ان أي مسار يبدأ بالإقصاء، ويتجاهل موازين القوى، ولا يعالج جذور الخلاف المتعلقة بالشرعية، والدستور، والانتخابات، يُخشى أن يتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة إدارة الأزمة لا حلّها، بل إن بعض الأصوات تحذر من أن هذا المسار قد يمنح شرعية شكلية لاستمرار الوضع القائم، تحت غطاء حوار لا يملك القدرة على فرض تغيير حقيقي.
لا يعكس التعدد الحقيقي للمشهد الليبي
خلاصة القول إن الحوار المهيكل، كما يُدار حالياً، يعاني من اختلالات بنيوية عميقة،فالحوار الذي لا يعكس التعدد الحقيقي للمشهد الليبي، ولا يُطمئن القوى الفاعلة، ولا يرتبط بمسار تنفيذي واضح، يظل عرضة لفقدان التأثير، وفي السياق الليبي المعقد، لا يمكن لأي مبادرة أن تنجح ما لم تُبنَ على شمول فعلي، وشفافية كاملة، وربط واضح بين النقاش والقرار، وإرادة دولية جادة تنتقل من إدارة الأزمة إلى العمل على حلّها.





