ليبيا بين انقطاع الإنترنت وفشل حكومة الدبيبة وسط فوضى السلاح

أعاد إدراج ليبيا ضمن قائمة أكثر عشر دول أفريقية تضررًا من انقطاع الإنترنت خلال العام الماضي تسليط الضوء على أزمة أعمق من مجرد أعطال تقنية أو خسائر مالية عابرة، إذ يكشف هذا التصنيف عن واقع أمني وسياسي مضطرب، تتحمل مسؤوليته المباشرة حالة الانقسام، وفشل حكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية، واستمرار تغول المليشيات المسلحة على حساب مؤسسات الدولة، لا سيما في العاصمة طرابلس.
فوفق تقارير متخصصة، تكبدت ليبيا خسائر تجاوزت 1.3 مليون دولار نتيجة حادثة انقطاع واحدة استمرت 11 ساعة فقط، أثرت على نحو 1.3 مليون مستخدم، وذلك عقب اشتباكات مسلحة شهدتها طرابلس خلال شهر مايو الماضي، في مشهد بات مألوفًا لسكان العاصمة، حيث تتحول المواجهات بين التشكيلات المسلحة إلى سبب مباشر لتعطيل الخدمات الحيوية، وفي مقدمتها الاتصالات والإنترنت.
اشتباكات طرابلس.. الأمن الغائب والخدمات رهينة السلاح
الانقطاع الأخير جاء في سياق معارك اندلعت بين قوات تابعة لحكومة الدبيبة وجهاز دعم الاستقرار، قبل أن تتوسع المواجهات لتشمل جهاز الردع، ما أدى إلى شلل جزئي في العاصمة، وتعطيل واسع للبنية التحتية. ولم تكن هذه الحادثة الأولى، بل تكررت مشاهد مشابهة خلال السنوات الأخيرة، في ظل عجز السلطات التنفيذية عن فرض سيطرتها، أو تفكيك المليشيات، أو حتى تحييدها عن المرافق السيادية والخدمية.
ويرى مراقبون أن استمرار هذه الأوضاع يعكس فشلًا واضحًا للحكومة القائمة في إدارة الملف الأمني، وتحول طرابلس إلى ساحة صراع نفوذ بين جماعات مسلحة تتقاسم السيطرة، بينما يدفع المواطن ثمن ذلك من أمنه ومعيشته واتصاله بالعالم.
خسائر تتجاوز الأرقام.. الاقتصاد الرقمي في مهب الريح
تُظهر البيانات أن عدد مستخدمي الإنترنت في ليبيا بلغ أكثر من ستة ملايين وستمائة ألف مستخدم، بنسبة انتشار تقارب 88.5% من السكان، ما يعكس اعتمادًا متزايدًا على الخدمات الرقمية في مختلف مناحي الحياة، من العمل والتعليم إلى المعاملات المالية والتواصل الاجتماعي.
لكن هذا الاعتماد يصطدم بواقع هش، حيث يصبح الاقتصاد الرقمي رهينة رصاصة طائشة أو صراع نفوذ مسلح. فكل ساعة انقطاع لا تعني فقط خسائر مباشرة في الإيرادات، بل تمتد آثارها إلى تعطيل الأعمال، وتوقف الخدمات المصرفية، وتأخير المعاملات الحكومية، فضلًا عن الإضرار بسمعة البلاد الاستثمارية.
ليبيا في السياق الأفريقي.. أزمات مشتركة وأسباب مختلفة
على مستوى القارة، تكبدت الدول الأفريقية مجتمعة خسائر تجاوزت مليار دولار بسبب انقطاع الإنترنت خلال عام واحد، مع تسجيل أكثر من 19 ألف ساعة انقطاع أثرت على أكثر من 116 مليون مستخدم. غير أن الفارق الجوهري يكمن في الأسباب، فبينما تعود بعض الانقطاعات في دول أخرى إلى قرارات حكومية أو احتجاجات سياسية، ترتبط الحالة الليبية بشكل مباشر بالفوضى الأمنية، وغياب الدولة، وتعدد مراكز القوة المسلحة.
وتُعد ليبيا، مقارنة بدول أخرى، نموذجًا صارخًا لدولة تعجز عن حماية بنيتها التحتية من تبعات الصراع المسلح، في ظل غياب استراتيجية وطنية للأمن السيبراني، أو خطط طوارئ فعالة تضمن استمرارية الخدمات.
حكومة الدبيبة.. إخفاقات متراكمة ومسؤولية سياسية
تواجه حكومة الدبيبة انتقادات متزايدة بسبب إخفاقها في تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار، سواء على الصعيد الأمني أو الخدمي. فبدلًا من توحيد المؤسسات وإنهاء سطوة السلاح، اعتمدت الحكومة، بحسب خصومها، على موازنة النفوذ بين المليشيات، ما أضعف هيبة الدولة، وجعل العاصمة رهينة لتفاهمات هشة سرعان ما تنهار عند أول خلاف.
ويرى محللون أن استمرار الحكومة في هذا النهج أسهم في تكريس مناخ الفوضى، وأفقد المواطنين الثقة في قدرة السلطة التنفيذية على حماية مصالحهم الأساسية، بما في ذلك حقهم في خدمات مستقرة وآمنة.
انعكاسات اجتماعية وأمنية أوسع
لا يقتصر تأثير انقطاع الإنترنت على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد إلى أبعاد اجتماعية وأمنية خطيرة، إذ يُستخدم الإنترنت كوسيلة أساسية للتواصل أثناء الأزمات، ونقل المعلومات، وطلب المساعدة. ومع كل انقطاع، تتعمق عزلة السكان، وتزداد صعوبة التنسيق بين الجهات الطبية والإنسانية، خاصة في أوقات الاشتباكات.
كما يفتح هذا الواقع الباب أمام انتشار الشائعات، وتضليل الرأي العام، في ظل غياب مصادر موثوقة للمعلومات، وهو ما تستفيد منه الجماعات المسلحة لتوسيع نفوذها وبث الخوف بين المواطنين.
مستقبل غامض في ظل استمرار الفوضى
في ظل غياب حل سياسي شامل، واستمرار الانقسام، وتغول المليشيات، تبدو آفاق تحسين استقرار الخدمات في ليبيا، ومنها الإنترنت، محدودة. فالأزمة ليست تقنية بقدر ما هي سياسية وأمنية، تتطلب إرادة حقيقية لبناء دولة قادرة على فرض القانون، وتأمين البنية التحتية، ووضع حد لاقتصاد الفوضى.
وإلى أن يتحقق ذلك، ستظل طرابلس، ومعها ليبيا بأكملها، تدفع ثمن فشل السلطة التنفيذية، ليس فقط بانقطاع الإنترنت، بل بتآكل مقومات الدولة الحديثة، وتراجع ثقة المواطن في الحاضر والمستقبل.



