مقاطعة شعبية تهز سوق البيض بطرابلس وسط انفلات الأسعار
ارتفاع قياسي لأسعار البيض يشعل حراكاً استهلاكياً في ليبيا
ليبيا 24
طرابلس بين ضغط المعيشة وحراك المستهلكين
تشهد طرابلس منذ أيام حالة غير مسبوقة من التفاعل الشعبي والاقتصادي، على خلفية الارتفاع الحاد في أسعار البيض، أحد أكثر السلع الغذائية ارتباطاً بالاستهلاك اليومي للأسر. هذا الارتفاع، الذي وصفه مواطنون بـ”القياسي”، لم يبقَ محصوراً في نطاق الشكوى الفردية، بل تحوّل إلى حراك منظم قاده ناشطون ومستهلكون، عبر إطلاق حملة واسعة لمقاطعة شراء البيض، في محاولة لكبح جماح الأسعار وإجبار السوق على التراجع.
من سلعة يومية إلى عبء معيشي
لطالما مثّل البيض عنصراً أساسياً على موائد الليبيين، نظراً لسعره المقبول مقارنة بمصادر البروتين الأخرى. غير أن القفزات المتتالية في أسعاره خلال الأشهر الأخيرة بدّلت هذه المعادلة، لتتحول هذه السلعة إلى عبء إضافي في معركة المواطن اليومية مع تكاليف المعيشة المتصاعدة.
فقد بلغ سعر طبق البيض في طرابلس نحو 25 ديناراً، فيما وصل سعر البيض المغلف إلى 30 ديناراً، وهو مستوى لم تعرفه السوق المحلية من قبل، خصوصاً إذا ما قورن بسعر الصرف القائم للدينار الليبي أمام العملات الأجنبية.
حملة المقاطعة: ولادة من رحم الغضب
مع اتساع رقعة الغضب الشعبي، برزت منصات التواصل الاجتماعي كمساحة للتنظيم والتعبئة. أطلق ناشطون دعوات صريحة لمقاطعة شراء البيض، معتبرين أن الامتناع الجماعي هو الوسيلة الأنجع لمواجهة ما وصفوه بـ”جشع السوق”.
وسرعان ما انتقلت الحملة من الفضاء الرقمي إلى الشارع، حيث علّقت بعض المحلات التجارية لافتات تحث الزبائن على التوقف عن شراء البيض إلى حين انخفاض أسعاره، في خطوة عكست تلاقي مصالح التجار الصغار مع هموم المستهلكين.
أصوات من قلب الحملة
يرى منظمو الحملة أن الارتفاع لم يكن تدريجياً بقدر ما كان متسارعاً ومفاجئاً. فخلال فترة قصيرة، انتقل سعر الطبق من 15 ديناراً إلى أكثر من 25 ديناراً، ما جعل ثمن البيضة الواحدة يلامس مستويات غير منطقية قياساً بالدخل الفردي.
هذا الواقع، بحسب القائمين على الحملة، لم يترك للمواطن خياراً سوى التحرك الجماعي، في ظل غياب أي تدخل فعّال من الجهات الرسمية لضبط السوق.
التجار بين المطرقة والسندان
في قلب الأسواق الشعبية بوسط طرابلس، لا يخفي أصحاب المحلات حالة التذمر. فالتاجر الصغير، وفق إفادات عديدة، يجد نفسه عالقاً بين أسعار الجملة المرتفعة وقدرة الزبائن المحدودة على الشراء.
ويؤكد بعضهم أن الزيادات الأخيرة فُرضت من أسواق الجملة دون مبررات واضحة، وأن هامش الربح لم يتغير كثيراً، في حين تحمّل التاجر واجهة الغضب الشعبي.
الإنتاج تحت ضغط التكاليف
على مستوى الإنتاج، تتكشف صورة أكثر تعقيداً. مربو الدواجن يشيرون إلى أن ارتفاع أسعار البيض مرتبط مباشرة بزيادة تكاليف الأعلاف، التي شهدت بدورها قفزات حادة بفعل تقلبات سعر الصرف وارتفاع أسعار المواد المستوردة.
ومع اعتماد قطاع تربية الدواجن بشكل كبير على الأعلاف المستوردة، بات أي اهتزاز في سعر العملة ينعكس فوراً على كلفة الإنتاج، ما يدفع المربين إلى رفع الأسعار لتفادي الخسائر.
الأعلاف وسعر الصرف: حلقة الضغط الخانقة
يمثل سعر صرف الدينار الليبي عاملاً محورياً في أزمة البيض. فكل تراجع في قيمة العملة المحلية يعني ارتفاعاً مباشراً في كلفة الأعلاف والأدوية البيطرية والمستلزمات التشغيلية.
وفي ظل غياب سياسات دعم واضحة، يتحمل المنتج وحده عبء هذه الزيادة، لينتقل لاحقاً إلى المستهلك، في سلسلة تضخمية متواصلة لا يبدو لها سقف قريب.
أرقام تكشف هشاشة القطاع
تشير البيانات المتاحة إلى أن إنتاج لحوم الدواجن في ليبيا بلغ مستويات قريبة من ذروته التاريخية خلال السنوات الأخيرة، إلا أن هذا الاستقرار النسبي يخفي وراءه هشاشة هيكلية في القطاع.
أما استهلاك البيض، فيظل دون المتوسط العالمي، ما يعكس محدودية القدرة الشرائية للمواطن الليبي مقارنة بنظرائه في دول أخرى، ويجعل أي زيادة سعرية بمثابة صدمة مباشرة للاستهلاك.
المقاطعة كسلاح اقتصادي
يرى محللون اقتصاديون أن حملات المقاطعة تمثل أحد أشكال الضغط الشعبي الفعّال في اقتصاد يعاني من ضعف الرقابة. فالتجارب السابقة، وفق خبراء، أثبتت أن الامتناع الجماعي عن الشراء قادر على كسر موجات المضاربة وإجبار الأسعار على التراجع.
ويؤكد هؤلاء أن نجاح المقاطعة مرهون باستمراريتها واتساع نطاقها، لا سيما في سلعة سريعة التلف مثل البيض، حيث يشكل انخفاض الطلب خطراً مباشراً على التجار والموزعين.
غياب الدولة وتضخم السوق
تكشف أزمة البيض مجدداً عن الدور الغائب للدولة في تنظيم الأسواق. فلا تسعيرة استرشادية، ولا رقابة فعالة على أسواق الجملة، ولا آليات واضحة لحماية المنتج والمستهلك في آن واحد.
هذا الفراغ سمح بانتشار المضاربات، حيث تتحكم قلة من الوسطاء في حركة الأسعار، مستغلين ضعف الرقابة وتشتت القرار الاقتصادي.
اتحاد المربين وتحذير الأمن الغذائي
يحذر اتحاد مربي الدواجن من أن استمرار الوضع الحالي ينذر بتداعيات أخطر من مجرد ارتفاع الأسعار. فالقطاع، بحسب الاتحاد، يواجه خطر الانهيار إذا استمرت زيادة تكاليف الأعلاف وغياب الدعم الحكومي.
ويشير الاتحاد إلى أن البيض من السلع القليلة التي تُنتج محلياً دون الحاجة إلى استنزاف العملة الصعبة، وأن انهيار هذا القطاع سيجبر البلاد على الاستيراد بأسعار مرتفعة، ما يشكل تهديداً مباشراً للأمن الغذائي.
بين الاقتصاد والسياسة
لا تنفصل أزمة البيض عن المشهد السياسي العام في ليبيا. فالانقسام المؤسسي، وتعدد مراكز القرار، وتعقيد المشهد المالي، كلها عوامل تعيق صياغة سياسة اقتصادية موحدة قادرة على معالجة أزمات السوق.
وفي ظل هذا الواقع، تبقى الأزمات المعيشية وقوداً إضافياً لحالة الاحتقان الاجتماعي، وتتحول السلع الأساسية إلى مؤشرات يومية على عمق الاختلالات البنيوية في الدولة.
المجتمع في مواجهة السوق
ما يميز أزمة البيض الحالية هو بروز المجتمع كفاعل رئيسي، لا كمجرد متلقٍ للقرارات. فالمقاطعة الشعبية تعكس وعياً متزايداً بأدوات الضغط الاقتصادي، ورغبة في فرض توازن جديد في علاقة المستهلك بالسوق.
ويرى مراقبون أن هذا الحراك، وإن كان محدوداً في نطاقه الزمني، إلا أنه يحمل دلالات أعمق حول تغير أنماط التفاعل الاجتماعي مع الأزمات الاقتصادية.
إلى أين تتجه الأزمة؟
يبقى السؤال مفتوحاً حول مآلات هذه الأزمة: هل تنجح المقاطعة في إعادة الأسعار إلى مستويات مقبولة؟ أم أن العوامل الهيكلية، من سعر الصرف إلى تكاليف الإنتاج، ستبقي الأسعار مرتفعة؟
الإجابة، وفق مختصين، تتوقف على تدخل حكومي جاد يعالج جذور المشكلة، لا مظاهرها فقط، ويعيد الاعتبار لسياسات الدعم والرقابة.
خاتمة: البيض كمرآة للأزمة الأوسع
تتجاوز أزمة البيض كونها خلافاً حول سلعة غذائية، لتغدو مرآة تعكس تعقيدات الاقتصاد الليبي، وتشابك العوامل الاجتماعية والسياسية في حياة المواطن اليومية.
وبين مقاطعة شعبية تبحث عن إنصاف، وسوق منفلتة تبحث عن الربح، ودولة غائبة عن المشهد، يبقى المواطن الليبي في مواجهة مباشرة مع كلفة العيش، منتظراً حلولاً تتجاوز ردود الفعل المؤقتة إلى إصلاحات جذرية.



