ليبيا

جدل واسع بعد تعيين الصلابي مستشارًا للمنفي

قرار المنفي يعمّق الانقسام ويهدد مسار المصالحة الوطنية

ليبيا 24

قرار فجّر الخلافات المكتومة

أعاد قرار رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي تكليف علي الصلابي مستشارًا لشؤون المصالحة الوطنية فتح ملف الانقسام الليبي على مصراعيه، بعدما كان مسار المصالحة يتحرك ببطء شديد وسط انسداد دستوري وسياسي ممتد. القرار، الذي وُصف منذ ساعاته الأولى بالاستفزازي، لم يمرّ بوصفه إجراءً إداريًا عابرًا، بل تحوّل سريعًا إلى عنوان مواجهة سياسية وإعلامية وشعبية، عكست حجم الحساسية المرتبطة بملف المصالحة وبالشخصيات المتصدرة له.

منذ إعلان التكليف، تصاعدت التحذيرات من أن الخطوة قد تدفع البلاد نحو انقسام جديد، لا سيما في ظل هشاشة التوازنات القائمة بين المجلس الرئاسي ومجلس النواب، وبين مكونات المشهد السياسي في الشرق والغرب، فضلًا عن التباينات داخل المعسكر الواحد في الغرب الليبي نفسه.

شخصية جدلية في ملف شديد الحساسية

ينطلق معظم المعترضين على القرار من طبيعة الشخصية المكلفة بالمنصب. علي الصلابي يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه من الشخصيات المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، بل ويُعد من أبرز مؤسسيها في ليبيا، وهي جماعة كانت طرفًا مباشرًا في النزاع خلال سنوات طويلة. هذا المعطى، وفق منتقدي القرار، يتناقض جوهريًا مع فلسفة المصالحة الوطنية التي يُفترض أن تقوم على الحياد، والقبول العام، والابتعاد عن أي انحيازات أيديولوجية أو تنظيمية.

وتتضاعف حدة الاعتراض مع الإشارة إلى إدراج الصلابي منذ يونيو 2017 على قوائم الإرهاب الصادرة عن مصر والسعودية والإمارات والبحرين، على خلفية اتهامات بدعم وتمويل جماعات مسلحة متطرفة. معارضو القرار يرون أن هذه الخلفية وحدها كافية لنسف أي فرصة لبناء توافق وطني حوله، فضلًا عن إضعاف الموقف الليبي خارجيًا في ملف شديد الارتباط بالثقة الدولية.

انتقادات إعلامية وتحذيرات مبكرة

الإعلامي خليل الحاسي عبّر عن موقف شديد اللهجة، معتبرًا أن أنصار الصلابي الذين دعموا مجالس الشورى الجهادية والجماعات المتطرفة في درنة وبنغازي، يحتفلون اليوم بما وصفه بـ“وضع قدم داخل المجلس الرئاسي”، تمهيدًا، بحسب رأيه، للسيطرة على قراراته مستقبلًا. هذا الطرح يعكس مخاوف أوسع من أن يكون التعيين خطوة ضمن مسار سياسي موازٍ يهدف إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ داخل مؤسسات الدولة.

موقف القبائل: تهديد للسلم الاجتماعي

الرفض لم يقتصر على النخب السياسية والإعلامية، بل امتد إلى البنية الاجتماعية. المجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية بالمنطقة الوسطى أصدر بيانًا واضحًا رفض فيه قرار التعيين، مؤكدًا أن الصلابي ينتمي لتنظيم الإخوان الذي كان طرفًا في النزاع، وأن مثل هذه القرارات تُضعف مساعي المصالحة وتنعكس سلبًا على مصداقيتها، وتُسهم في توسيع دائرة الانقسام ورفع مستوى الاحتقان بين الليبيين.

البيان دعا القبائل ومكونات المجتمع الليبي إلى التحرك الفوري للمطالبة بإلغاء القرار، محذرًا من تداعياته على السلم الاجتماعي بين المدن والقبائل، في لهجة تعكس خشية حقيقية من انتقال الخلاف السياسي إلى مستوى اجتماعي أوسع.

الأحزاب السياسية: المصالحة ليست مشروع أشخاص

بدوره، أعلن تجمع الأحزاب الليبية رفضه الصريح لقرار محمد المنفي، معتبرًا أن المصالحة الوطنية لا يمكن أن تُدار بعقلية الإقصاء أو الرهان على شخصيات خلافية، ولا يجوز اختزالها في أسماء جدلية تفتقد إلى القبول العام والتوافق الوطني الواسع.

وأكد البيان أن تعيين شخصية مثار انقسام حاد لا يخدم مسار المصالحة، بل ينذر بتقويضه وإفراغه من مضمونه، وإعادة إنتاج مناخ الشك وعدم الثقة. وشدد التجمع على أن ملف المصالحة يجب أن يُدار بشراكة حقيقية مع جميع القوى السياسية والاجتماعية، وبإشراك ممثلين عن الضحايا والمهجرين وكافة مكونات المجتمع، بعيدًا عن القرارات الأحادية التي قد تكون لها تداعيات خطيرة على الاستقرار الهش.

مصراتة تدخل على الخط

من داخل الغرب الليبي، وتحديدًا من مصراتة، برز موقف لافت لسالم كرواد، أحد أعيان المدينة وأحد مؤسسي حراك مصراتة ضد الظلم. كرواد اعتبر أن قرار المنفي صدر تحت تأثير إحدى الدول المتدخلة في الشأن الليبي، مستنكرًا تعيين شخصية معروفة بانتمائها لجماعة الإخوان، ومؤكدًا أن هذا التكليف يُضعف جهود المصالحة ويزيد من الانقسام والتوتر بين الليبيين.

تصريحات كرواد اكتسبت أهمية خاصة لكونها صادرة من مدينة يُنظر إليها عادة بوصفها إحدى ركائز التوازن السياسي في الغرب، ما يعكس وجود تحفظات جدية حتى داخل البيئات التي يُفترض أنها أقرب للمجلس الرئاسي.

قراءة دبلوماسية: صراع نفوذ لا مصالحة

السفير الليبي السابق لدى سوريا، محمد شعبان المرداس، ذهب أبعد من ذلك، معتبرًا أن المنفي عيّن الصلابي في محاولة لإظهار قوة سياسية، وفرض نفسه لاعبًا في معادلة الخلافة المحتملة لعبد الحميد الدبيبة. المرداس تحدث عن دور لزياد دغيم وعبد الشفيع أبو زلاعة في هذا القرار، محذرًا من أن الصلابي قد يصبح المتحكم الفعلي في المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة، بينما يتحول الآخرون إلى مجرد أدوات سياسية.

هذه القراءة تربط قرار التعيين بصراع النفوذ داخل معسكر الغرب، أكثر مما تربطه برؤية وطنية جامعة للمصالحة، وهو ما يعزز مخاوف المعترضين من تسييس الملف.

ملف المصالحة على المحك

من زاوية أخرى، اعتبر علي مصباح أبوسبيحة، رئيس فريق المصالحة للمترشح الرئاسي سيف الإسلام القذافي، أن تعيين الصلابي قرار في غير محله، مشيرًا إلى أن الرجل شخصية جدلية وغير مقبولة لدى غالبية الأطراف الليبية، ولن يكون محل توافق حتى داخل المجلس الرئاسي نفسه. وحذّر من تداعيات خطيرة قد تنسف الجهود الأخيرة المبذولة لدفع ملف المصالحة إلى الأمام.

أما الباحث السياسي أسامة شحومي، فذكّر بخلفية الصلابي القانونية والسياسية، مشيرًا إلى إدراجه على قوائم الإرهاب في عدة دول منذ عام 2017، بسبب اتهامات تتعلق بدعم جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيمات متطرفة داخل ليبيا، وهو ما يطرح، بحسب شحومي، علامات استفهام كبرى حول جدوى إسناد ملف وطني بالغ الحساسية لشخص بهذه الخلفية.

تساؤلات حول الصلاحيات والتوقيت

إلى جانب الاعتراضات السياسية، برزت تساؤلات قانونية حول صلاحيات المجلس الرئاسي في إجراء تعيينات بهذا الثقل السياسي خلال مرحلة انسداد دستوري، وفي ظل غياب توافق مع السلطة التشريعية. كما أثار نشطاء مستقلون تناقضًا لافتًا في تكليف شخصية تقيم خارج ليبيا بإدارة ملف مصالحة داخلية معقدة، لا يزال قانونها نفسه متعثرًا داخل المؤسسات التشريعية.

اختبار جديد للمؤسسات

في المحصلة، لا يبدو قرار تعيين علي الصلابي مجرد محطة عابرة، بل اختبارًا جديدًا لقدرة المؤسسات الليبية على إدارة الملفات المصيرية بعيدًا عن الحسابات الضيقة. حجم الرفض، وتنوع مصادره، من قبائل وأحزاب ونخب سياسية وإعلامية، يكشف عن فجوة ثقة عميقة بين الشارع والمؤسسات، وعن قناعة متزايدة بأن المصالحة لا يمكن أن تُفرض بقرارات أحادية أو بشخصيات خلافية.

وبينما يصرّ المعترضون على رفضهم للقرار ولسياسات المنفي، وعلى رفضهم لما يصفونه بتطرف الصلابي وخلفيته الإقصائية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يتراجع المجلس الرئاسي عن خطوته، أم تمضي ليبيا نحو فصل جديد من الانقسام، يُضاف إلى سجل أزماتها المفتوحة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى