
قد لا نضيف جديدًا إلى هذا الملف المثقل بالتصريحات والمبادرات، لكننا نحاول أن نعيد التذكير بجوهر المصالحة بعيدًا عن الضجيج. يسأل أحدهم: ألا نتعلم من دروس الماضي ونستفيد من التجارب؟ ألا نتخلى عن عقلية الانقسام والمصالح الضيقة، ونصل إلى قناعة بأن الوطن يسع الجميع؟ وأن نتّحلّى بالشجاعة ونتنازل من أجل الوطن، وندرك أن الوقت يمر سريعًا في عالم متغير تضيع فيه الدول الوطنية أمام قانون القوة الذي أصبح شعار الدول الكبرى؟
بين الفوضى والانقسام، يرى الليبيون – أصحاب المصلحة الحقيقية في هذا الوطن – أن المصالحة ليست شعارات تُرفع في المؤتمرات ولا بيانات تُتلى أمام الكاميرات، بل هي طريق لإنقاذ الدولة وإعادة الأمن والاستقرار.
ورغم أن الحديث عن المصالحة الوطنية طال حتى أصبح لازمة في خطابات السياسيين والمجتمع الدولي، فإن الأزمة الليبية تدخل عامها الخامس عشر دون أفق واضح للحل، وبقيت المصالحة شعارًا أكثر منها مسارًا عمليًا يُترجم إلى استقرار حقيقي.
إن المصالحة – في جوهرها – لا تُفرض بقرارات سياسية ولا تُصنع في القاعات المغلقة، بل تنبع من قناعة وطنية جامعة بأنها ضرورة وجودية للدولة، ومسار لا ينفصل عن بقية الملفات المعطلة: المسار الأمني، انتشار السلاح، الانقسام السياسي، والأزمة الاقتصادية الخانقة.
العودة إلى الجذور
لا يمكن الحديث عن مصالحة حقيقية دون العودة إلى ما قبل 2011 وتقييم المراحل التي مرت بها ليبيا بموضوعية وتجرد: طبيعة النظام، الخلافات السياسية، المظالم الحقيقية أو كما يراها أصحابها، وأسباب الاحتقان التي قادت إلى الانفجار.
فهل كان تغيير النظام كافيًا لتأسيس مصالحة وطنية ترضي الجميع؟ أم أن ما حدث فتح الباب أمام مآسٍ أكبر، وإقصاء أوسع، وانقسام أعمق؟
لقد رُفعت شعارات الحرية والديمقراطية، لكن الواقع أثبت أن البلاد دخلت دوامة فوضى وصراع وانقسام مجتمعي وتهجير وإقصاء، عطّلت قيام الدولة وأجهضت أي محاولة جادة لبناء نظام مستقر.
فرصة ضائعة
كانت انتخابات 7/7/2012 فرصة تاريخية لتأسيس مسار ديمقراطي وبناء مؤسسات الدولة، لكنها أُهدرت بفعل رفض نتائج الصندوق، وانتشار السلاح، وإقحامه في العمل السياسي بدل أن يكون تحت سلطة الدولة. وهكذا تحوّل الحلم بالدولة إلى صراع على السلطة، وتحولت الديمقراطية إلى شعار بلا مضمون.
مصالحة ما بعد 2011
الأزمة المتراكمة فرضت حاجة إلى مصالحة جديدة، لا مع الماضي فقط، بل مع ما جرى منذ 2011 حتى اليوم. مصالحة تعترف بالأخطاء، تداوي الجراح، وتنهي منطق الغالب والمغلوب، وتعيد الاعتبار لفكرة الوطن الجامع.
غير أن الأمم المتحدة لم تمنح ملف المصالحة الاهتمام الكافي كما حدث في تجارب دولية أخرى، وانخرطت أكثر في إدارة الأزمة السياسية، في ظل تدخلات إقليمية ودولية زادت المشهد تعقيدًا. فكانت الحوارات مؤقتة، والحلول ترقيعية، ولم يُبنَ عليها مشروع دولة حقيقي.
تقصير داخلي واضح
لم تلتزم حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الرئاسي بالتعهدات التي أُنشئت من أجلها بعد اتفاق جنيف، وفي مقدمتها: إنجاز ملف المصالحة، توحيد المؤسسة العسكرية، ومعالجة الأزمة الاقتصادية. ورغم إنشاء هيئة للمصالحة منذ سنوات، لم يتحقق أي إنجاز ملموس، وبقي الملف معلقًا بين الشعارات والبيانات.
وفيما يتعلق بدور الدول الإقليمية والأمم المتحدة، لن يستطيع أي طرف مساعدتنا ما لم نساعد أنفسنا أولاً، ونبدأ بالإرادة الوطنية الحقيقية والضغط المجتمعي لإنهاء الانقسام وبناء الدولة.
تعطيل ممنهج وغياب نية المغادرة
تؤكد قرارات عديدة صادرة عن الأجسام الحاكمة أنها لا تملك رؤية للخروج من المشهد ولا رغبة جادة في إنهاء الانقسام، بل تضع العراقيل أمام أي مسار قد يقود إلى التوافق.
وما جرى داخل المجلس الأعلى للدولة من إجراءات مثيرة للجدل أعاد إلى الواجهة شبح الانقسام المؤسسي، في مشهد يذكّر بثنائية الحكومات وتعدد الشرعيات، رغم رفض البعثة الأممية لذلك، دون اكتراث بالتداعيات.
كما أن قرارات المجلس الرئاسي بتعيين شخصية جدلية لا يثق بها الليبيون، يرون في هذا التكليف مجرد إعادة تدوير للملف وتعطيل لمسار المصالحة، في ظل متغيرات تستثني الطرف الذي يمثل أيديولوجية الإخوان، والذي لا يحظى بقبول في الشارع الليبي وأيضًا على الصعيد الدولي. هذا يعزز القناعة بأن إدارة الملفات – وعلى رأسها المصالحة – لا تُدار بمنطق التوافق الوطني، بل بمنطق فرض الأمر الواقع.
مستشار للمصالحة… خطوة شكلية أم إعادة تدوير للأزمة؟
جاء تكليف مستشار للمصالحة الوطنية ليطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام خطوة حقيقية لإحياء المسار، أم إجراء شكلي يُضاف إلى سلسلة قرارات لم تُترجم يومًا إلى نتائج؟
الشارع الليبي، المثقل بخيبات اللجان والمبادرات، ينظر إلى هذا التكليف بعين الشك، لا رفضًا لفكرة المصالحة، بل تشكيكًا في جدية من يديرها. فالمصالحة لا تُختزل في شخص، ولا تُدار بتعيينات فوقية، بل تحتاج إلى رؤية وطنية شاملة وإرادة سياسية صادقة ومناخ يقوم على التوافق لا الانقسام.
المصالحة مسؤولية مجتمع قبل أن تكون قرار سلطة
المصالحة الحقيقية تبدأ من المجتمع الليبي نفسه، من وعيه وضغطه ومطالبته بإنهاء الانقسام ورحيل الأجسام التي عطلت الدولة وأرهقت المواطن. فالمجتمع هو صاحب المصلحة الأولى في الاستقرار.
وأي حديث جاد عن المصالحة يجب أن ينطلق من ترتيب الأولويات:
الأمن أولًا: إنهاء الفوضى وحصر السلاح في الدولة وبناء مؤسسة عسكرية وطنية واحدة.
سلطة واحدة قوية: حكومة موحدة تحمي الانتخابات وتخدم المواطن.
توحيد المؤسسات: العسكرية والأمنية والمدنية تحت رؤية وطنية واضحة.
دستور دائم: يضمن الحقوق وينظم السلطة.
ضغط على الأمم المتحدة: لدعم الحلول العملية بدل إدارة الأزمة.
المصالحة مع الشعب قبل المصالحة بين النخب
المصالحة في ليبيا ليست فقط بين المدن أو المكونات، بل قبل ذلك بين من حكموا، ومن حملوا السلاح، ومن أفسدوا… وبين الشعب.
المصالحة تعني:
تصالح السياسيين مع الشعب بعد سنوات من الوعود الفارغة والتشبث بالكراسي.
تصالح التشكيلات المسلحة مع الشعب الذي دفع ثمن سلاحها فوضى وخوفًا وتعطيلًا للحياة.
تصالح من ساهموا في الفساد وافتعال الأزمات الاقتصادية مع شعب أُنهكت قدرته الشرائية وسُرقت أحلامه.
لا مصالحة بلا محاسبة، ولا سلام اجتماعي في ظل غياب العدالة وانعدام الثقة.
الخلاصة
لقد استُهلك شعار المصالحة الوطنية حتى فقد معناه. وما يريده الليبيون اليوم ليس بيانات ولا لجانًا جديدة، بل إنقاذ البلاد.
المصالحة الحقيقية هي:
تصالح السياسيين مع الشعب،
تصالح السلاح مع الدولة،
تصالح المال مع الضمير.
فالمصالحة ليست غطاءً للمصالح الشخصية، ولا وسيلة للبقاء في السلطة، بل طريق لإنهاء الانقسام، وبناء الدولة، واستعادة الأمن والاستقرار، وصناعة مستقبل يليق بكل الليبيين.



