ليبيا

ترشيد الإنفاق.. الجسر المفقود نحو استقرار العملة الوطنية

مطلوب شجاعة سياسية توازي القرارات النقدية

لم يكن قرار مصرف ليبيا المركزي الأخير بخفض قيمة الدينار للمرة الثانية في غضون عام واحد مجرد إجراء تقني لتنظيم الحسابات، بل هو جرس إنذار يدوي في أروقة الاقتصاد الوطني؛ ليؤكد أن السياسة النقدية، مهما بلغت براعتها في المناورة، لا يمكنها أن تعمل في معزل عن انضباط مالي حقيقي.

فوصول سعر صرف الدينار إلى هذا المستوى المنخفض مقابل الدولار يعكس واقعاً مريراً، مفاده أن النزيف المستمر في الموارد لا يمكن وقفه بمسكنات خفض القيمة فقط، بل بقطع دابر الهدر في الإنفاق العام.

“شهية إنفاقية” لا تتناسب مع تقلبات عائدات النفط

أزمة العملة في ليبيا ليست نتاجاً لشح الموارد بل هي نتاج “شهية إنفاقية” لا تتناسب مع تقلبات عائدات النفط التي تشكل شريان الحياة الوحيد.. فكل زيادة غير مدروسة في الإنفاق الحكومي الاستهلاكي تتدفق مباشرة إلى الأسواق كقوة شرائية ضخمة تبحث عن الدولار لتغطية طلبات الاستيراد، مما يخلق ضغطاً خانقاً على العملة الصعبة ويجعل من الدينار ضحية دائمة في دوامة التضخم.

المرحلة الحاسمة التي تمر بها البلاد اليوم تتطلب شجاعة سياسية توازي القرارات النقدية؛ إذ لا يمكن تحقيق “الانضباط المالي” والسيطرة على السيولة بينما تستمر الميزانية في التوسع دون رقابة أو رؤية تنموية واضحة ، فنجاح الوعود بخفض الضرائب، واستعادة الثقة في النظام المصرفي، يظلان رهينين بقدرة السلطات النقدية على كبح جماح الإنفاق وتوجيه كل دينار نحو قطاعات إنتاجية تخفف الضغط عن خزينة المصرف المركزي.

ويظل ترشيد الإنفاق هو “صمام الأمان” الذي سيحدد ما إذا كان التخفيض الحالي هو خطوة نحو التعافي، أم مجرد محطة أخرى في رحلة تراجع العملة.. فالدولار لا يستقر بالقرارات الورقية وحده، بل بالاقتصاد الذي يعرف كيف يدير موارده بحكمة ويحمي مدخرات أجياله من الضياع في دهاليز الإنفاق غير المنضبط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى