مشاريع الإعمار تعيد الجنوب الليبي إلى قلب الخريطة الوطنية
تنمية الجنوب الليبي تفتح آفاق الاستقرار وتدفع الهجرة العكسية

ليبيا 24
الجنوب الليبي بين إرث التهميش وبوادر التحول التنموي
ظلّ الجنوب الليبي لعقود طويلة حاضرًا في الخطاب الوطني بوصفه مخزونًا استراتيجيًا للثروات والموقع، لكنه غائب فعليًا عن أولويات التنمية والخدمات. هذا الغياب تراكمت آثاره على حياة السكان، فانعكس نقصًا في البنية التحتية، وتراجعًا في فرص العمل، وتآكلًا في الخدمات الأساسية، ما دفع أجيالًا كاملة إلى الهجرة نحو مدن الشمال بحثًا عن الاستقرار والعيش الكريم.
اليوم، ومع انطلاق مشاريع صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا في مدن ومناطق الجنوب، تبرز مؤشرات مختلفة توحي ببدء مسار جديد، يسعى إلى معالجة اختلالات تاريخية وإعادة إدماج الإقليم في الدورة الاقتصادية والاجتماعية للدولة، وسط ترحيب شعبي حذر وتطلعات واسعة.
الإعمار كمدخل لتصحيح المسار
يرى مراقبون أن ما يجري في الجنوب لا يمكن اختزاله في مشاريع خدمية معزولة، بل يمثل محاولة لتصحيح مسار تنموي مختل، طالما أضعف التوازن بين أقاليم البلاد. فتنفيذ مشاريع الطرق، والمرافق العامة، وإعادة تأهيل المدن المتضررة، يبعث برسائل سياسية واجتماعية مفادها أن الجنوب لم يعد خارج الحسابات.
المحلل السياسي سالم أبو خزام يعتبر أن مظاهر التهميش بدأت تتراجع فعليًا، ولو بشكل تدريجي، مع انطلاق مشاريع الإعمار. ويصف هذه الخطوات بأنها “بدايات ضرورية”، حتى وإن بدت محدودة قياسًا بحجم التحديات المتراكمة. فالمهم، بحسب تقديره، هو كسر حالة الجمود وفتح الباب أمام مسار تصاعدي يمكن البناء عليه.
الأمن أساس التنمية والاستقرار
التحول التنموي في الجنوب لم يكن ليأخذ زخمه لولا التحسن الأمني الذي شهدته المنطقة خلال الفترة الماضية. فخروج التشكيلات المسلحة من عدد من المدن، وبسط السيطرة الأمنية، شكّل نقطة تحول مفصلية، أسهمت في تهدئة الأوضاع وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة لعودة الحياة الطبيعية.
ويؤكد أبو خزام أن دخول القوات النظامية وانتشارها في مناطق واسعة، وصولًا إلى مرزق، أعاد الاعتبار لسلطة الدولة، وساعد في إطلاق مسارات المصالحة المجتمعية، واستعادة الحقوق، خاصة مع إعادة البيوت والمزارع إلى أصحابها. هذه الإجراءات، بحسب رأيه، لم تكن رمزية، بل أعادت الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وخلقت مناخًا نفسيًا واجتماعيًا مشجعًا على الاستقرار.
الهجرة العكسية… مؤشر على تحوّل اجتماعي
من أبرز الظواهر اللافتة التي رافقت هذا الحراك، بروز ما يمكن وصفه بالهجرة العكسية، حيث بدأ عدد من السكان في العودة إلى مدنهم وقراهم في الجنوب، بعد سنوات من النزوح نحو الشمال. هذه العودة لم تأتِ بدافع عاطفي فقط، بل نتيجة عوامل متداخلة، أبرزها تحسن الوضع الأمني، وبدء مشاريع الإعمار، إلى جانب الضغوط المعيشية المتزايدة في المدن الكبرى.
ويشير أبو خزام إلى أن المواطن، مهما ابتعد، يظل مرتبطًا بمسقط رأسه، وأن تحسن الحد الأدنى من الخدمات والأمن كفيل بإعادة هذا الارتباط إلى الواجهة. لكنه في المقابل يحذّر من أن استدامة هذه العودة تظل مرهونة بقدرة الدولة على توفير فرص العمل والخدمات، حتى لا تتحول الهجرة العكسية إلى موجة مؤقتة سرعان ما تتراجع.
رؤية تنموية شاملة للجنوب
في قراءة أوسع للمشهد، يطرح محللون تصورًا لتنمية الجنوب يتجاوز الحلول الجزئية. فتنمية فزان، وفق هذه الرؤية، تتطلب مشاريع استراتيجية كبرى، من بينها ربط الجنوب بالشمال عبر طرق مزدوجة، وإنشاء مطار دولي يفتح الإقليم على العالم، إضافة إلى تأسيس مركز طبي متكامل وجامعة كبرى تخدم أبناء المنطقة.
كما يُنظر إلى القطاع الزراعي باعتباره ركيزة أساسية، في ظل ما يملكه الجنوب من مقومات تؤهله ليكون سلة غذاء حقيقية. ويبرز هنا مقترح إنشاء مصرف زراعي تنموي، إلى جانب مشاريع الطاقة، سواء عبر محطات كهرباء تقليدية أو استثمار الطاقة الشمسية في صحارى فزان، بما يعزز الاكتفاء والاستدامة.
الموقع الاستراتيجي والفرص الاقتصادية
من جانبه، يربط المحلل السياسي إدريس أحميد بين ما يشهده الجنوب اليوم وبين التحولات التي مرت بها ليبيا خلال العقود الماضية. فالمركزية المفرطة، وتعثر مشاريع التنمية منذ ثمانينيات القرن الماضي، خلّفت فجوات تنموية عميقة، كان الجنوب أكثر المتضررين منها، رغم غناه بالثروات الطبيعية وموقعه الجغرافي الحيوي.
ويؤكد أحميد أن تأمين الجنوب وبسط الاستقرار، بما في ذلك حماية الحدود، غيّر المعادلة، وفتح المجال أمام حراك تنموي حقيقي. هذا الاستقرار، بحسب تقديره، حظي بترحيب واسع من الأهالي، وشكّل عامل جذب للاستثمار، سواء في مجالات البنية التحتية أو الزراعة أو السياحة الصحراوية.
الجنوب كوجهة جديدة
التحولات الجارية جعلت الجنوب، للمرة الأولى منذ سنوات، وجهة جاذبة لليبيين من مناطق أخرى، سواء للعمل أو الاستثمار. كما بدأت أنشطة سياحية ورياضية تجد طريقها إلى المنطقة، مستفيدة من طبيعتها الصحراوية وتنوعها الثقافي، ما يعزز فرص خلق وظائف جديدة، ويعيد دمج الجنوب في المشهد الاقتصادي الوطني.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يتفق المراقبون على أن الطريق لا يزال طويلًا، وأن النجاح الحقيقي مرهون باستمرارية المشاريع، ووضوح الرؤية، وتكامل الأدوار بين الأمن والتنمية. فالجنوب الليبي، بما يحمله من إمكانات، قادر على التحول إلى رافعة حقيقية للتنمية في ليبيا، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والتخطيط المستدام.



