ليبيا

تصاعد التوتر الميليشياوي يهدد ورشفانة ويكشف عجز حكومة الدبيبة

ورشفانة على صفيح ساخن وصراعات نفوذ تعري سلطة طرابلس

ليبيا 24:

ورشفانة بين نار الثأر الميليشياوي وغياب الدولة

تعيش مناطق عدة في الغرب الليبي حالة توتر أمني متصاعد، تعكس عمق الأزمة التي خلّفتها سيطرة التشكيلات المسلحة على المشهد العام، في ظل عجز حكومي مزمن عن فرض القانون وبناء مؤسسات أمنية وطنية.

وتبرز ورشفانة، خلال الأيام الأخيرة، كنقطة ارتكاز لهذا التوتر، مع تزايد الأحاديث عن استنفارات وتحركات مسلحة، وما يرافقها من مخاوف شعبية من انزلاق جديد يعيد إنتاج العنف والفوضى.

صراع نفوذ يتغذى على الثأر

لا يمكن فصل ما يجري في ورشفانة عن سياق أوسع من الصدامات الميليشياوية التي تضرب الغرب الليبي منذ سنوات.

فهذه الصدامات لم تعد أحداثا عابرة، بل تحولت إلى دوائر ثأر متراكمة، غذّتها حسابات النفوذ والهيمنة، وغياب المساءلة، وتوظيف السلاح خارج إطار الدولة.

وخلال الأشهر الماضية، تصاعدت حدة هذه الصراعات، لتلقي بظلالها الثقيلة على العاصمة ومحيطها، وتضع المدنيين في مرمى الخطر الدائم.

ورشفانة مسرحا خلفيا للاشتباك

تُوصف ورشفانة، بحكم موقعها الجغرافي وحساسيتها الاجتماعية، بأنها مسرح خلفي محتمل لاشتباكات بين تشكيلات مسلحة متنافسة.

وقد أعادت الأحداث الدامية التي شهدتها المنطقة في منتصف الصيف الماضي هذا التوصيف إلى الواجهة، بعد مقتل أحد القادة الميدانيين المحسوبين على حكومة الدبيبة، وسقوط ضحايا آخرين في اشتباكات عائلية مسلحة، جرت في ظل غياب واضح للسلطات الأمنية في طرابلس.

محاولة اغتيال ورسائل دموية

أعقبت تلك الأحداث محاولة اغتيال استهدفت أحد أبرز قادة المجموعات المسلحة في ورشفانة، في واقعة عمّقت الضغائن بين التشكيلات المتنازعة، وخلّفت قتلى من المهاجمين. ورغم فشل المحاولة، فإنها حملت رسائل دامية، مفادها أن منطق السلاح ما زال هو الحاكم، وأن الصراع على النفوذ لم يبلغ نهايته، بل دخل فصلا أكثر خطورة.

نفي رسمي وواقع مأزوم

في مواجهة تصاعد الأحاديث عن هجوم محتمل أو تحركات عدائية، خرجت تصريحات تنفي وجود أي تهديد، وتصف ما يتداول بالشائعات المغرضة.

غير أن الواقع الميداني، كما يراه السكان، يشي بعكس ذلك. فحالة القلق التي تسود المدينة ليست وليدة فراغ، بل نتاج سنوات من الصدامات، وذاكرة مثقلة بالدم، وتجارب سابقة أثبتت أن النفي الرسمي غالبا ما يسبق الانفجار.

سيطرة الأمر الواقع

بعد مقتل القائد الميداني المنافس، باتت ورشفانة تحت سيطرة كاملة لقوة مسلحة واحدة، في مشهد يعكس منطق الغلبة لا منطق الدولة.

هذه السيطرة، التي تمت خارج أي إطار قانوني، تطرح أسئلة جوهرية حول مفهوم الأمن، ومن يملكه، ولصالح من يُستخدم.

كما تكشف حجم التناقض بين الخطاب الحكومي المعلن، والواقع الذي تفرضه الميليشيات على الأرض.

طرابلس تدير الظهر

أحد أخطر أبعاد المشهد يتمثل في تجاهل السلطات الأمنية بالعاصمة لما يجري في محيطها، فالأحداث الدامية التي شهدتها ورشفانة مرت دون تدخل حاسم، ما شجع على تكرارها في مناطق أخرى من طرابلس، تخضع بدورها لنفوذ تشكيلات مسلحة متحالفة مع السلطة أو متداخلة معها.

هذا التجاهل لا يُقرأ إلا كعجز، أو كتواطؤ ضمني، يدفع ثمنه المواطنون.

زيارات رسمية بلا أثر

في خضم هذه التطورات، تبرز زيارات وتصريحات لمسؤولين في حكومة الدبيبة، يتحدثون فيها عن الجاهزية وبذل الجهود وحماية الاستقرار. غير أن هذه الزيارات، في نظر كثيرين، لم تترجم إلى نتائج ملموسة.

 فالمؤسسات الأمنية ما زالت مخترقة، والمهام السيادية تُسند لتشكيلات لا تمتلك الشرعية القانونية، بينما يظل المواطن الحلقة الأضعف.

تناقض الخطاب والممارسة

تكرر حكومة الدبيبة، على لسان رئيسها، أن زمن الميليشيات انتهى، وأن هناك خطة لتفكيك التشكيلات المسلحة. لكن الوقائع على الأرض تناقض هذا الخطاب.

فالحكومة تميز بين ميليشيات متمردة وأخرى موالية، وتتعامل مع السلاح بمنطق الانتقاء، لا بمنطق الدولة. هذا التناقض أفقد الخطاب مصداقيته، وحوّل الوعود إلى شعارات جوفاء.

تصفية حسابات تحت غطاء أمني

العمليات التي تُقدَّم على أنها إجراءات أمنية دقيقة، ينظر إليها الشارع الليبي بوصفها جزءا من صراع تصفية حسابات بين مراكز قوة متناحرة، أكثر من كونها خطوات لبناء أمن مستدام. ومع كل حادثة، يتكرس الانطباع بأن السلاح لا يزال أداة السياسة، وأن الدولة غائبة أو مغيَّبة.

انعكاسات خطيرة على الاستقرار

ما يجري في ورشفانة لا يهدد أمنها وحدها، بل ينذر بتداعيات أوسع على غرب ليبيا برمته، فاستمرار منطق الثأر والهيمنة يفتح الباب أمام انفجارات متتالية، ويقوض أي أمل في استقرار حقيقي.

كما يعمق الشرخ بين المواطن والسلطة، ويغذي شعورا عاما بانعدام العدالة وغياب القانون.

مسؤولية وطنية غائبة

أمام هذا المشهد، تبرز مسؤولية وطنية كبرى، غائبة حتى الآن. فالأمن لا يُبنى بالتحالف مع الميليشيات، ولا بإدارة الأزمات بالبيانات، بل بتفكيك حقيقي للتشكيلات المسلحة، وبناء مؤسسات مهنية خاضعة للمساءلة. دون ذلك، ستظل ورشفانة وغيرها رهائن لصراعات لا ناقة للمواطن فيها ولا جمل.

ورشفانة اختبار للدولة

تمثل ورشفانة اليوم اختبارا حقيقيا لأي سلطة تدّعي الشرعية. إما أن تُستعاد الدولة وتُفرض سيادة القانون، أو يُترك المجال لمزيد من الفوضى. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن الليبي، في ورشفانة وطرابلس وسائر الغرب، يدفع ثمن صراع لم يختره، في انتظار دولة تحميه لا ميليشيات تتحكم في مصيره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى