ليبيا تعيد فتح قطاع النفط وتستقطب عمالقة الطاقة العالميين
شمال أفريقيا يعود إلى خريطة الطاقة عبر بوابة ليبيا
ليبيا 24
ليبيا في قلب التحول الطاقوي بشمال أفريقيا
للمرة الأولى منذ ما يقرب من عقدين، تتجه ليبيا إلى إعادة فتح قطاعها النفطي أمام الاستثمارات الأجنبية، في خطوة تُعد مفصلية ليس فقط للاقتصاد الليبي، بل لخريطة الطاقة في شمال أفريقيا ككل. هذه العودة الليبية لا تأتي في فراغ، بل ضمن سياق إقليمي أوسع يشهد تحركات متسارعة من دول الجوار، في مقدمتها الجزائر ومصر وتونس، لإعادة جذب شركات النفط الكبرى بعد سنوات من التراجع وعدم اليقين.
هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا لدى حكومات المنطقة بأن نافذة الفرص في أسواق الطاقة العالمية لم تُغلق بعد، خصوصًا مع بحث الشركات الدولية عن مشاريع منخفضة التكلفة، وقابلة للدخول في دورة إنتاج جديدة خلال ثلاثينيات القرن الحالي، في وقت تتغير فيه أولويات الاستثمار عالميًا.
توقيت مثالي وطلب عالمي متجدد
يأتي الانفتاح الليبي في لحظة مواتية، حيث تعيد شركات النفط الكبرى تقييم محافظها الاستثمارية، سعيًا لتعويض تراجع الإنتاج في بعض المناطق التقليدية، والبحث عن احتياطيات جديدة ذات جدوى اقتصادية عالية. ومع افتراض استقرار العوامل الجيوسياسية الكبرى، فإن أي زيادة معتبرة في إنتاج النفط من شمال أفريقيا سيكون لها أثر مباشر على توازنات الأسعار العالمية.
وهنا تبرز معضلة إضافية أمام تحالف الدول المنتجة، الذي تقوده السعودية، إذ إن عودة إنتاج إضافي منخفض التكلفة قد تفرض إعادة النظر في سياسات ضبط الإمدادات، خاصة إذا تزامنت مع تباطؤ نسبي في نمو الطلب العالمي.
شمال أفريقيا… احتياطيات ضخمة وتكلفة منخفضة
تمتلك دول شمال أفريقيا أكثر من نصف الاحتياطي النفطي المؤكد في القارة الأفريقية، إلى جانب جيولوجيا عالية الجودة، وتكاليف استخراج تُعد من بين الأدنى عالميًا. كما تزخر المنطقة باحتياطيات غازية معتبرة، ما يعزز جاذبيتها الاستثمارية، خاصة في ظل سعي أوروبا لتنويع مصادر الطاقة.
وتبرز ليبيا في هذا المشهد بوصفها الحالة الأكثر إغراءً من الناحية المالية، إذ تشير تقديرات استشارية متخصصة إلى أن نقطة التعادل للنفط الليبي قد تتحقق حتى مع أسعار متدنية نسبيًا، وهو عامل حاسم يدفع الشركات إلى التغاضي عن المخاطر السياسية والغموض المؤسسي.
تنافس محتدم على جولة التراخيص الليبية
تشهد جولة التراخيص النفطية الليبية، المقرر إعلان نتائجها في فبراير المقبل، اهتمامًا غير مسبوق من كبرى الشركات العالمية. فقد أبدت شركات مثل إكسون موبيل، شيفرون، شل، توتال إنيرجيز، وبي بي، إلى جانب نحو ثلاثين شركة أخرى، رغبتها في دخول السوق الليبية أو توسيع وجودها القائم.
ويرى خبراء الطاقة أن هذا الإقبال يعكس قناعة متزايدة بأن ليبيا ما زالت تحتفظ بواحد من أفضل مزيج النفط والغاز غير المطور في العالم، من حيث الجودة والتكلفة والعائد المحتمل.
تراجع الدور الإقليمي منذ ذروة 2007
رغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن الدور الطاقوي لشمال أفريقيا لا يزال بعيدًا عن مستوياته السابقة. ففي عام 2007، بلغ إنتاج المنطقة نحو 4.7 مليون برميل يوميًا، قبل أن يتراجع في السنوات التالية ليصل متوسط الإنتاج العام الماضي إلى قرابة 3.3 مليون برميل يوميًا فقط.
ويعود هذا التراجع بالأساس إلى عاملين رئيسيين: اندلاع الصراع في ليبيا منذ عام 2011، وما ترتب عليه من اضطرابات أمنية ومؤسسية، إلى جانب تعثر جهود الإصلاح والانفتاح الاستثماري في الجزائر خلال سنوات طويلة.
ليبيا… مفتاح عودة المنطقة
إذا كانت دول شمال أفريقيا تسعى فعليًا إلى عكس مسار التراجع، فإن ليبيا تظل العنصر الحاسم في هذه المعادلة. فإلى جانب امتلاكها أكبر احتياطيات هيدروكربونية في أفريقيا، تتميز ليبيا بقدرتها على تحقيق أرباح حتى في ظل أسعار نفط منخفضة نسبيًا، وهو ما يمنحها ميزة تنافسية نادرة.
وتشير تقديرات إلى أن الإنتاج النفطي الليبي خلال عام 2025 قد يصل إلى نحو 501 مليون برميل، في حال استقرار الأوضاع واستمرار عمليات الصيانة والتطوير.
تاريخ طويل من الشراكات الدولية
لطالما شكّلت ليبيا وجهة مفضلة لشركات الطاقة العالمية، حيث تعمل فيها منذ عقود شركات كبرى مثل ريبسول الإسبانية، وإيني الإيطالية، وكونوكو فيليبس، وتوتال إنيرجيز. غير أن نشاط هذه الشركات تراجع بشكل ملحوظ خلال العقد الماضي، نتيجة الاضطرابات السياسية والانقسام المؤسسي.
ورغم ذلك، لم تغادر معظم هذه الشركات البلاد بالكامل، مفضلة الحفاظ على وجود محدود، انتظارًا لتحسن الظروف وعودة الاستقرار النسبي.
أثر الانقسام السياسي على الاستثمار
بعد عام 2011، نشأت حالة من عدم اليقين أثرت بشكل مباشر على الاستثمارات النفطية. ففي عام 2025، لم يتجاوز عدد الآبار الجديدة المحفورة ثلاثين بئرًا فقط، مقارنة بما بين مئة ومئتي بئر سنويًا قبل الحرب.
هذا التراجع الحاد في أنشطة الاستكشاف والتطوير يعكس حجم التحديات التي واجهها القطاع، رغم الإمكانات الكبيرة غير المستغلة.
مؤشرات تعافٍ حذرة
منذ عام 2026، بدأت تظهر مؤشرات خجولة على تعافي القطاع، مع عودة بعض الحقول للإنتاج، وبدء مفاوضات بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركات أجنبية لإعادة تشغيل مشاريع مجمدة. كما أُطلقت مبادرات محدودة لتطوير البنية التحتية وتحسين الكفاءة التشغيلية.
وقد بلغ متوسط الإنتاج الليبي في العام الماضي نحو 1.3 مليون برميل يوميًا، وهو مستوى أعلى بكثير من أدنى مستوياته خلال سنوات الصراع، لكنه لا يزال أقل من الذروة التي سجلها عام 2008 عند نحو 1.8 مليون برميل يوميًا.
طموحات 2030 وحدود الواقع
تطمح ليبيا إلى رفع إنتاجها اليومي إلى مليوني برميل بحلول عام 2030، وهو هدف طموح يعكس رغبة الدولة في استعادة مكانتها التاريخية في أسواق الطاقة. غير أن هذا الرقم يظل أقل بكثير من أعلى مستوى إنتاجي سجلته البلاد عام 1970، حين بلغ نحو 3.5 مليون برميل يوميًا.
ويرى محللون أن تحقيق هذا الهدف يتطلب استثمارات ضخمة، واستقرارًا سياسيًا مستدامًا، وإصلاحات مؤسسية عميقة، خاصة في ما يتعلق بالإطار القانوني والتنظيمي للقطاع.
آفاق جديدة للاستكشاف
حتى الآن، تركزت معظم أنشطة الاستكشاف في ليبيا على المكامن التقليدية. غير أن المستثمرين يشيرون إلى وجود فرص واعدة في مجالات أخرى، أبرزها التنقيب في المياه العميقة بالبحر المتوسط، حيث كشفت الاكتشافات في دول مجاورة عن إمكانات كبيرة.
كما يبرز حوض غدامس بركين، الممتد على الحدود الليبية الجزائرية، كأحد أكثر المناطق الواعدة، خاصة فيما يتعلق بالتكوينات الجيولوجية غير التقليدية.
الجزائر ومصر وتونس في المشهد نفسه
بالتوازي مع التحركات الليبية، تستعد الجزائر لإطلاق جولة مناقصات جديدة لاستكشاف المحروقات في 25 منطقة، ضمن خطة أوسع لإعادة جذب الاستثمارات الأجنبية. كما كثفت مصر وتونس جهودهما لتقديم حوافز جديدة لشركات الطاقة، مستفيدتين من الاكتشافات الأخيرة في شرق المتوسط.
وقد وقعت شركتا بي بي وشل اتفاقيات مبدئية مع ليبيا، تهدف إلى دعم خطط زيادة الإنتاج وتحسين الكفاءة التشغيلية، في خطوة تعكس عودة الثقة الحذرة في مستقبل القطاع.
بين الفرصة والمخاطر
رغم هذه المؤشرات الإيجابية، تبقى المخاطر قائمة. فعدم الاستقرار السياسي، واحتمالات تجدد التوترات الأمنية، وتراكم سنوات من الإهمال، كلها عوامل قد تعرقل مسار التعافي. ومع ذلك، يرى كثيرون أن ما تختزنه الأرض الليبية من نفط وغاز يفوق بكثير ما يطفو على السطح من أزمات.
وفي نهاية المطاف، قد يكون مستقبل الطاقة في شمال أفريقيا، ومعه جزء معتبر من توازنات السوق العالمية، مرهونًا بقدرة ليبيا على تحويل هذه الفرصة التاريخية إلى واقع مستدام.



