ليبيا

واقع القطاع الصحي في ليبيا.. بين ضعف الرقابة وفجوة الثقة

القطاع الصحي في ليبيا.. حينما يصبح الجسد مسرحاً للفوضى

لم تكن واقعة “مصحة توليب” في جوهرها إلا مرآةً عاكسة لواقعٍ صحيٍ يترنح منذ عقود بين مطرقة الإهمال وسندان غياب الرقابة. إن تلك المشاهد “الصادمة” التي تناقلتها الهواتف، وما تلاها من لغط حول تجارة الأعضاء، ليست مجرد حادثة جنائية عابرة بقدر ما هي انفجار لفقاعة الثقة المهزوزة أصلاً بين المواطن والمؤسسة الطبية. ففي ليبيا، لم تعد جدران المصحات توحي بالطمأنينة، بل باتت في نظر الكثيرين دهاليز يكتنفها الغموض، حيث تغيب المعلومة الرسمية وتنشط الشائعة التي تجد في الفراغ المؤسسي بيئة خصبة للنمو.
إن الجرح الحقيقي لا يكمن فقط في “جثة طفل داخل ثلاجة” أو “بقايا أعضاء” قد تكون نتاج إجراء طبي مشروع تعثر إدارياً، بل يكمن في تلك المسافة الشاسعة التي تفصلنا عن المعايير الدنيا للسلامة الصحية. نحن أمام قطاع يعاني من انفصام حاد؛ فبينما ينمو الاستثمار الخاص في الطب بشكل عشوائي ومحموم، تظل آليات الرقابة تابعة لبيروقراطية عاجزة، لا تتحرك إلا بردود الأفعال الصاخبة وبعد أن يقع الفأس في الرأس.
إن الواقع الصحي في البلاد يُختصر في مشهد “المرفق الذي يفتقر للبروتوكول”؛ فالتخلص من النفايات البيولوجية، والتعامل مع حالات الوفاة، وتوثيق العمليات الجراحية، هي في العالم المتقدم “قدس أقداس” العمل الطبي، أما هنا، فقد تخضع للاجتهاد الشخصي أو الإهمال البشري الذي يُفسَّر فوراً – في ظل الاحتقان العام – على أنه جريمة منظمة. هذا الخلل البنيوي جعل من الطبيب والمريض معاً ضحايا لنظام لا يحمي حقوق الأول ولا يضمن سلامة الثاني.
وعليه، فإن قضية “توليب” هي صرخة في وادٍ سحيق، تؤكد أن الإصلاح لا يبدأ من مداهمة المصحات فحسب، بل من صياغة عقد جديد بين الدولة والقطاع الصحي؛ عقدٌ يفرض المعايير العالمية كشرط للبقاء، لا كرفاهية قابلة للتأجيل. وبدون ذلك، سيظل المواطن الليبي فريسة للتكهنات، وتظل المصحات ساحات للتأويل، ويظل القطاع الصحي جسداً منهكاً ينتظر رصاصة الرحمة أو معجزة الشفاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى