أزمة اللحوم في ليبيا: ارتفاع الأسعار وغياب المنافسة و”احتكار الأعلاف” يُرهق جيوب المواطنين
ليبيا: فائض استيراد الأعلاف لا يوقف المضاربات وارتفاع أسعار اللحوم
ليبيا 24
أزمة أسعار اللحوم تهز ليبيا مع بلوغ الكيلو 85 ديناراً وفساد الأعلاف
تشهد الأسواق الليبية منذ أشهر موجةً غير مسبوقة من ارتفاع أسعار اللحوم بأنواعها، مما شكل عبئاً جديداً على كاهل المواطن الذي يعاني أصلاً من تداعيات الأوضاع الاقتصادية الصعبة. فبين ليلة وضحاها، أصبحت الموائد الشعبية التي اعتادت على البروتين الحيواني حلمًا بعيد المنال للكثير من الأسر، في أزمة كشفت عن خلل هيكلي عميق في سلاسل الإمداد والتموين، وتحديداً في قطاع الأعلاف الحيوانية الذي يبدو أنه يتحكم بمصادر الغذاء الأساسية.
أرقام صادمة تفرض واقعاً مريراً
وفقاً لمتابعات ميدانية في عدد من أسواق طرابلس ومدن ليبية أخرى، تجاوز سعر كيلوغ غرام اللحم الوطني المحلي حاجز الخمسة وثمانين ديناراً ليبيّاً، بينما استقر سعر لحوم الأبقار عند خمسة وستين ديناراً، ولحوم الإبل عند خمسة وسبعين ديناراً. وفي القطاع الداجن، سجل كيلوغرام الدواجن أربعة عشر ديناراً. هذه الأرقام تعني أن سعر وجبة اللحم العادية قد تضاعف خلال عام واحد فقط، وهو ما أكده “علي شلابي”، صاحب محل لحوم بشارع الرشيد في وسط العاصمة، مشيراً إلى أن الأسعار قفزت بما نسبته خمسة وعشرون بالمئة مقارنة بالشهر ذاته من العام الماضي.
التفسير الأولي الذي يقدمه أصحاب المحال والمربون يركز على عاملين رئيسيين: ارتفاع تكاليف الإنتاج نتيجة صعود أسعار الأعلاف، وموجة الجفاف التي أثرت على المراعي الطبيعية هذا العام. “بشير الحامدي”، أحد مربي الماشية، يشرح المعادلة بقسوة: “قنطار الأعلاف الذي كان سعره مائتي دينار قبل عام، أصبح اليوم بثلاثمائة دينار. هذا الاختلاف الكبير يلتهم هوامش الربح الضئيلة أساساً، ويجبرنا على رفع أسعار اللحوم لنستمر في العمل”.
تحت سطح الأسعار: شبكة معقدة من المضاربات والاحتكار
بيد أن التحليل الاقتصادي للأزمة يكشف أن قصة ارتفاع أسعار الأعلاف ليست مجرد قصة عرض وطلب تقليدية. فبحسب وثيقة رسمية صادرة عن وزارة الاقتصاد والتجارة في حكومة الدبيبة منتهية الولاية، مطلع شهر يناير 2026، تم منح اعتمادات مالية ضخمة لشركات استيراد وتصنيع الأعلاف، تجاوزت قيمتها الإجمالية تسعمائة وعشرة ملايين دولار. والمفارقة الصادمة أن البيانات الرقابية تشير إلى أن الاحتياج المحلي السنوي الفعلي من الأعلاف لا يتجاوز مليوني طن، في حين أن الكميات التي تمت الموافقة على استيرادها أو تمويل صناعتها تخطت ثلاثة ملايين وأربعمائة ألف طن.
هذا الفائض الكبير في الكميات، والذي كان من المفترض أن يخفف الضغط على الأسعار ويسهم في استقرارها، لم ينعكس إطلاقاً على أرض الواقع. بل على العكس، استمر سعر القنطار في الصعود حتى وصل إلى ثلاثمائة دينار، وهو سعر غير مبرر اقتصاديًا في ظل وجود فائض معروض. هنا يطرح التساؤل نفسه: أين تذهب هذه الكميات الإضافية؟ ولماذا لا تؤثر في خفض التكلفة؟
تحذير رسمي: “ممارسات احتكارية وتحكم متعمد في العرض”
في تعميمها الرقابي، لم تتردد وزارة الاقتصاد في وصف الموقف بـ”المؤشر على وجود ممارسات احتكارية أو تحكم مصطنع في العرض”. وأشارت الوزارة إلى أن جزءاً كبيراً من الاعتمادات، يقدر بمائة وثلاثين مليون دولار، تم صرفه خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة فقط، مما ينفي أي مزاعم بشن وجود اختناقات لوجستية أو نقص في النقد الأجنبي كسبب للأزمة.
توزعت هذه الاعتمادات على عشرات الشركات العاملة في مجالات استيراد الحبوب والبذور والأعلاف، وصناعة وطحن الحبوب، وتشغيل مضارب الأرز. ورغم أن الحصص تباينت بين الشركات، حيث وصلت حصة إحداها إلى ما يقارب واحداً بالمئة من القيمة الإجمالية، إلا أن الأرقام تظهر تدفقاً مالياً كبيراً إلى هذا القطاع دون ضوابط كافية لضمان وصول السلعة إلى السوق بأسعار عادلة.
ولمواجهة هذه الممارسات، ألزمت الوزارة الشركات بالكشف العلني عن أسعار البيع المعتمدة، وقنوات التوزيع، والمناطق الجغرافية التي تغطيها. كما لوحت باتخاذ إجراءات قانونية صارمة بحق المخالفين، تشمل إحالتهم للجهات الضبطية المختصة، ووقف أي موافقات مستقبلية لهم للحصول على النقد الأجنبي عبر مصرف ليبيا المركزي.
تحليل اقتصادي: “ضعف المنافسة يقتل السوق”
يرى الخبير الاقتصادي “علي بن الطاهر” أن أزمة اللحوم والأعلاف هي نموذج مصغر لأزمة هيكلية تعاني منها الأسواق الليبية بشكل عام. ويقول في حديث خاص: “المشكلة ليست في فائض الاستيراد، بل في آليات توزيع هذا الفائض. لدينا ضعف شديد في المنافسة الحرة النزيهة، وتعدد للكيانات القانونية للشركات المستوردة والمصنعة قد يخفي تحته تحالفات أو ممارسات غير شفافة”.
ويضيف بن الطاهر: “ارتفاع تكلفة الأعلاف ليس حقيقة طبيعية بقدر ما هو نتيجة لتلك الممارسات. المربي يتحمل عبئاً إضافياً مفاجئاً، فينقله مباشرة إلى المستهلك النهائي. حينها تصبح إجراءات مراقبة الأسعار مجرد مسكنات إذا لم تقترن برقابة فعلية على كل حلقة في السلسلة، من الميناء إلى المطحنة، ومن الموزع إلى المربي، وأخيراً إلى جيب المواطن”.
انعكاسات اجتماعية: البروتين يتحول إلى ترف
التأثير الأكبر لهذه الأزمة يقع على عاتق الأسرة الليبية المتوسطة والفقيرة. “أم محمد”، ربّة منزل وأم لأربعة أطفال، تصف الوضع بمرارة: “اللحم كان غذاءً أساسياً في بيتنا، ولو مرة أو مرتين في الأسبوع. اليوم أصبح شراؤه أشبه بـ’الذبيحة’ الكبيرة التي نخطط لها مسبقاً وندخر لأجلها. الاعتماد الآن كله على الدجاج والبقوليات، وهذا يؤثر على التنوع الغذائي لأولادي”.
هذا التحول في العادات الغذائية له تبعاته الصحية على المدى المتوسط والبعيد، خاصة على فئات الأطفال والحوامل وكبار السن الذين يحتاجون إلى البروتين الحيواني لنمو أجسامهم وصحتهم. كما أن ارتفاع أسعار اللحوم يزيد من الضغوط التضخمية العامة، حيث ترتفع أسعار الوجبات الجاهزة والمطاعم والمشاريع الصغيرة المرتبطة بهذا القطاع، مما يوسع دائرة التأثير السلبي للأزمة.
نحو حلول عملية: ما الذي يمكن فعله؟
في ضوء هذه المعطيات، يرى مراقبون أن الخروج من الأزمة يتطلب حزمة من الإجراءات المتكاملة والقاسية في نفس الوقت:
- تفعيل الرقابة الميدانية الحقيقية: لا يكفي إصدار التعاميم، بل يجب وجود فرق تفتيش نشطة تراقب مخازن الأعلاف، وتتحقق من الكميات المستوردة مقابل الكميات المباعة فعلياً في السوق المحلي، وتتابع مسارها حتى وصولها للمربي الصغير.
- كسر شبهة الاحتكار: التحقيق الجدي في تركيبة ملكية هذه الشركات، وعلاقاتها المشتركة، والبحث عن أي تحالفات غير مشروعة تتحكم في الأسعار، وتقديم المخالفين للقضاء.
- دعم المربي المحلي مباشرة: دراسة إمكانية تخصيص دعم مباشر أو توفير أعلاف مدعومة للمربين الصغار والمتوسطين الذين يمثلون العمود الفقري لسوق اللحوم المحلية، لتمكينهم من الصمود في وجه تقلبات السوق.
- تشجيع البدائل: يمكن للجهات المعنية تشجيع استهلاك البدائل البروتينية الأخرى، مثل الأسماك والبيض، من خلال تسهيل استيرادها أو دعم إنتاجها المحلي، لتخفيف الضغط على سوق اللحوم.
- الشفافية الإجبارية: إلزام جميع الشركات العاملة في سلسلة الإمداد بنشر بياناتها الأساسية وأسعارها بشكل دوري وعلني، مما يخلق درجة من المنافسة ويضعف قدرة أي طرف على التحكم بالسوق.
أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة أسعار
في النهاية، تتجاوز أزمة اللحوم والأعلاف في ليبيا الجانب الاقتصادي البحت لتتحول إلى أزمة ثقة بين المواطن من جهة، وبين الآليات الرقابية والقانونية التي من المفترض أن تحميه من جشع السوق من جهة أخرى. الحل لن يأتي من خلال الترقيع أو انتظار انخفاض الأسعار عالمياً، بل من خلال إرادة سياسية وإدارية حقيقية لتنظيف هذا القطاع الحيوي من الممارسات غير القانونية، وفرض سيادة القانون على الجميع، وضمان وصول الغذاء الأساسي إلى كل بيت ليبي بثمن يكاد يكون معقولاً. الوقت يفوت، وموائد الليبيين تفرغ يوماً بعد يوم من أحد أهم مكوناتها.



