ليبيا بعد 15 عامًا على أحداث فبراير هل استفدنا أم ما زلنا بعيدين عن الحل؟
إدريس احميد: انقسام وسلاح وفراغ دولة
إدريس احميد- ليبيا 24
خمسة عشر عامًا مرّت منذ فبراير 2011، والليبيون اليوم أمام سؤال لا يمكن تأجيله: ماذا كانت الحصيلة؟ هل كان ما حدث بداية لبناء دولة حديثة، أم مدخلًا لانقسام طويل ما زلنا نعيش فصوله؟
لا يمكن إنكار أن التغيير حمل شعارات كبرى عن الحرية والدولة والكرامة، لكن الواقع الذي تلا ذلك كشف هشاشة البنية السياسية والاجتماعية، وعمق التراكمات التي لم تُعالج عبر عقود. سرعان ما تحوّل الأمل إلى انقسام سياسي ومجتمعي، وتداخلت المصالح الداخلية مع حسابات الخارج، لتدخل البلاد في مرحلة إدارة أزمة لا بناء دولة.
انقسام وسلاح وفراغ دولة
بدل أن تتجه ليبيا نحو توحيد مؤسساتها، شهدت انقسامًا سياسيًا حادًا، وتعددًا في مراكز القرار، وتوقفًا للتنمية الاجتماعية والثقافية. ومع إعلان التحرير في 20 أكتوبر 2011، برزت تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة، يقودها أشخاص قفزوا إلى المشهد مستفيدين من الفراغ الأمني والسياسي.
انتشار السلاح لم يكن مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبح عنصرًا مؤثرًا في القرار السياسي، حتى غدت الدولة نفسها في كثير من الأحيان خاضعة لتوازنات القوة بدل أن تكون هي صاحبة الكلمة العليا.
كما شهدت البلاد تهجير مدن ومناطق، ووقائع قتل واعتقال على الهوية والانتماء، في مشهد مؤلم كشف حجم الاحتقان وردود الفعل الانتقامية. تلك الممارسات وضعت الليبيين أمام مرآة صعبة: هل كنا بالفعل كما نصف أنفسنا من تسامح وأصالة، أم أن الأزمة كشفت خللًا أعمق في وعينا وثقافتنا السياسية؟
الفقر وتآكل الإرادة
اليوم، يعيش قطاع واسع من الليبيين حالة فقر وحاجة، وتراجعت التنمية، وانهك الاقتصاد، وانتشرت البطالة، وتآكلت الخدمات. هذا الواقع لا يهدد مستوى المعيشة فقط، بل يضرب في عمق الإرادة الوطنية.
المواطن المنشغل بتأمين قوت يومه، والمثقل بالإحباط، يصعب أن يكون شريكًا فاعلًا في مشروع بناء الدولة. الإحباط يولّد عزوفًا، والانشغال بالهموم الفردية يضعف الحس العام، وهكذا تتراجع الطاقة المجتمعية اللازمة لأي نهضة.
ومن هنا يبرز السؤال المؤلم:
أي تغيير بقيت مبادئه حاضرة في حياة الناس؟
وأين المشروع الوطني الواضح الذي كان يفترض أن يقود المرحلة؟
فالثورة أو التغيير الذي لا يحمل رؤية محددة وبوصلة وطنية جامعة، يتحول إلى ساحة صراع مصالح، وقد يتقاطع مع حسابات خارجية أكثر مما يخدم الداخل.
الخارج… بين إدارة الأزمة وحسابات المصالح
لا يمكن تجاهل أن الدول تتحرك وفق مصالحها. بعض القوى ربما رأت في استمرار الانقسام فرصة لتعزيز نفوذها، بينما تحركت أطراف أخرى عبر مسارات دولية مثل الأمم المتحدة لمحاولة تقريب وجهات النظر.
لكن مهما تعددت المبادرات، فإن الخارج لا يستطيع أن يبني دولة نيابة عن الليبيين. قد يضغط، يوسّط، أو يرعى حوارًا، لكنه لا يصنع إرادة وطنية إن لم تكن موجودة.
أولوية الأمن قبل السياسة
في ظل هذا المشهد، برز دور القيادة العامة للجيش الليبي في فرض الأمن والاستقرار في مساحات واسعة من البلاد، وتأمين الحدود الجنوبية، وحماية الثروات النفطية والطبيعية في مناطق كانت تعاني من فراغ أمني خطير. وينظر إلى هذا الدور داخليًا وخارجيًا باعتباره أحد أبرز الإنجازات في ظل الانقسام السياسي.
وهنا تتضح معادلة مهمة:
لا يمكن الحديث عن ديمقراطية حقيقية في ظل الفوضى، ولا عن انتخابات ذات معنى في ظل انتشار السلاح، ولا عن تداول سلمي للسلطة دون وجود دولة قادرة على فرض القانون.
الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، بل بيئة مستقرة، ومؤسسات موحدة، وقانون يطبق على الجميع. وإذا فشلت النخب في الاتفاق حتى على قواعد اللعبة، فإن الأولوية تصبح لإعادة بناء الأساس: الأمن، وحدة القرار، وسلطة الدولة.
الحاجة إلى قيادة واحدة
اليوم، تبدو ليبيا بحاجة إلى قيادة وطنية واحدة تملك القدرة على بسط الأمن والاستقرار، وإنهاء حالة التعدد في مراكز القرار. لا يجوز أن نخدع أنفسنا أو نكرر الشعارات؛ فالقيادة أولًا، لكي نقع جميعًا تحت سلطة قانون واحد، ومؤسسة واحدة، ومرجعية واضحة.
توحيد القيادة لا يعني إلغاء التعدد السياسي، بل تنظيمه داخل إطار الدولة. عندما تستقر الدولة، يصبح الاختلاف قوة، أما في غيابها فيتحول إلى صراع.
هل استفدنا من تجارب الآخرين؟
دول مثل الصومال عانت عقودًا من الانقسام، ولم تبنِ دولة إلا عندما بدأت الإرادة الداخلية تتشكل. وفي المقابل، استطاعت رواندا بعد مأساة كبرى أن تتجاوز انقسامها عبر قرار داخلي حاسم بإعادة بناء الدولة.
الدرس واضح: الخارج قد يساعد، لكنه لا يحل محل القرار الوطني.
الخلاصة
بعد خمسة عشر عامًا، لا يكفي أن نسأل من المخطئ، بل يجب أن نسأل:
هل نريد دولة فعلًا؟
إذا كانت الإجابة نعم، فالمسار يبدأ بتوحيد القيادة، وبسط الأمن، وحصر السلاح، وإعادة بناء الاقتصاد، وإحياء الإرادة الوطنية.
أما إذا بقينا أسرى الانقسام والمصالح الضيقة، فسنظل ندير الأزمة بدل أن ننهيها.
ليبيا لا ينقصها الموقع ولا الثروة ولا التاريخ…
ما ينقصها هو القرار الوطني الجامع، والبوصلة الواضحة.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل نستفيد من خمسة عشر عامًا من الألم، أم نضيف إليها أعوامًا أخرى من الانتظار؟



