ليبيا

دراسة ليبية: تلوث نفطي يهدد مياه الشرب في تاجوراء

تحذير من مياه ملوثة بالهيدروكربونات بآبار تاجوراء

ليبيا 24

تحقيق علمي: كارثة صامتة تحت الأرض.. النفط يغزو مياه الشرب في تاجوراء ويهدد صحة الآلاف

تاجوراء، ليبيا – في أعماق الأرض التي طالما اعتمد عليها سكان تاجوراء لري عطشهم واستمرار حياتهم، تختبئ today كارثة بيئية وصامتة قد لا تظهر آثارها المباشرة على الفور، لكنها تنخر في جسد المجتمع الليبي بهدوء. فالمياه الجوفية التي تضخها مئات الآبار الخاصة لتصل إلى منازل الأهالي وتحضر على موائد إفطارهم وسقاية أطفالهم، تحمل في طياتها خطراً غير مرئي: الهيدروكربونات النفطية.

في زحام المدينة الساحلية الواقعة شرق العاصمة طرابلس، حيث تتداخل الكتل الإسمنتية مع امتداد البساتين والضيعات الزراعية، لا تدرك الأسر الليبية وهي تملأ أواني الطهي وأكواب الشرب من آبارها المنزلية، أن هذه المياه قد تكون بطيئة القتل. كشف علمي جديد ومثير للقلق، صدر عن المركز الليبي المتقدم للتحاليل الكيميائية ونشر في دورية علمية عالمية مرموقة، يضع السلطات الصحية والبيئية أمام مسؤولياتها، ويدق ناقوس الخطر بشأن تلوث واسع النطاق يضرب منطقة تاجوراء.

مختبرات العلم تواجه خطر الخفاء

الدراسة التي أعدها باحثون ليبيون ونشرت في مجلة “المجلة الدولية للطاقة وموارد المياه” (International Journal of Energy and Water Resources) التابعة لدار النشر العالمية “شبرينغر” (Springer)، والمصنفة ضمن قواعد بيانات “ويب أوف ساينس” (Web of Science)، لم تكن مجرد بحث أكاديمي روتيني، بل كانت بمثابة تحقيق ميداني دقيق في جريمة بيئية تتكشف فصولها يوماً بعد يوم.

العلماء لم يكتفوا بالنظريات، بل نزلوا إلى أرض الواقع في تاجوراء، وتوجهوا صوب محطة وقود تقع في موقع مركزي، كانت الشكوك تحوم حولها لسنوات. هناك، في محيط هذه المحطة التي تزود السيارات بالوقود وتضم خزانات أرضية قد تكون صامدة أو قابلة للاهتراء، جمع الباحثون 36 عينة من المياه الجوفية، موزعة على 12 موقعاً استراتيجياً في دائرة متسعة حول مصدر التهديد المفترض.

في مختبرات المركز الليبي المتقدم، خضعت العينات لتحاليل دقيقة باستخدام طرق قياسية معتمدة عالمياً. لم يكن الأمر مجرد فحص روتيني للون أو الطعم، بل غوص في التركيب الكيميائي للمياه لرصد أدق مكوناتها. ركز الباحثون على قياس تركيزات الكربون العضوي الكلي (TOC)، وهو مؤشر على وجود مواد عضوية ذائبة، والهيدروكربونات الكلية (THC)، وهي المركبات النفطية الخطيرة التي تشكل جوهر المشكلة.

أرقام صادخة تنطق بالكارثة

عندما خرجت النتائج من أجهزة التحليل المتطورة، كانت الصادمة. لم تكن الأرقام مجرد تجاوز طفيف للحدود الطبيعية، بل كانت دليلاً قاطعاً على تسرب نفطي حقيقي وفعال إلى الخزان الجوفي الذي يروي ظمأ آلاف الأسر.

أظهرت التحاليل أن تركيزات الكربون العضوي الكلي تراوحت بين 1.124 و 3.1 ملليغرام في الليتر الواحد. هذه الأرقام، وإن بدت صغيرة في عين غير المتخصص، إلا أنها تقارع السماء عندما توضع في سياقها الصحيح. فالمعايير الليبية والأوروبية لمياه الشرب النقية تضع حداً أقصى مسموحاً به للكربون العضوي الكلي لا يتجاوز 0.5 ملليغرام في الليتر. يعني ذلك أن بعض العينات تجاوزت الحد المسموح بأكثر من ستة أضعاف.

أما الهيدروكربونات الكلية، فكانت النتائج أكثر إثارة للقلق. فقد تراوحت تراكيزها بين 0.095 و 1.56 ملليغرام في الليتر، في حين أن الحد الأقصى المسموح به في المواصفات القياسية لا يتعدى 0.3 ملليغرام في الليتر. هنا أيضاً، سجلت العديد من العينات قفزات نوعية في مستوى التلوث، خاصة تلك المأخوذة من الآبار الأقرب إلى محطة الوقود.

اللافت في الدراسة أن التلوث لم يكن متجانساً أو موزعاً بالتساوي، بل تركز بشكل لافت في الجهة الجنوبية من المحطة، حيث توجد أعلى التركيزات. وهذا التوزيع الجغرافي للتلوث يعزز الفرضية العلمية التي تقول إن مصدر التلوث هو تسرب محدد من خزانات المحطة، وليس تلوثاً عاماً منتشراً في المنطقة بأكملها.

عندما تشهد الحواس على الجريمة

لم تكتف الدراسة بالأرقام المجردة، بل سجلت ملاحظات ميدانية بالغة الأهمية. السكان المحليون، وقبل أن تخبرهم نتائج التحاليل المخبرية، كانوا يلمسون التغيير بحواسهم. الباحثون أنفسهم لاحظوا تغيراً ملحوظاً في لون المياه المستخرجة من بعض الآبار القريبة من المحطة، ورافق ذلك رائحة مميزة كانت كفيلة وحدها بإثارة الشكوك حول سلامة هذه المياه.

هذه الملاحظات الحسية، التي قد يتجاهلها البعض باعتبارها مجرد انطباعات شخصية، اكتسبت في سياق هذه الدراسة قيمة علمية كبرى، إذ عززت النتائج المخبرية وأكدت أن التلوث ليس مجرد رقم على الورق، بل هو واقع ملموس يعيشه سكان تاجوراء يومياً، ربما دون أن يدركوا كامل أبعاده الصحية.

تهديد ثلاثي الأبعاد: من السرطان إلى الفشل العضوي

الخطر الذي تحمله هذه المياه الملوثة لا يقف عند حدود طعم كريه أو رائحة غير مستحبة. الهيدروكربونات النفطية، وخاصة تلك الخفيفة منها والعطرية متعددة الحلقات، تُصنف عالمياً ضمن أخطر الملوثات العضوية الثابتة والمسرطنة. وجودها في مياه الشرب يعني أنها تدخل جسم الإنسان يومياً، وربما عدة مرات في اليوم، لتتراكم في الأنسجة الدهنية والأعضاء الحيوية.

تحذيرات الدراسة كانت صريحة وواضحة: التعرض المزمن لهذه الملوثات عبر مياه الشرب يهدد السكان المحليين على المدى الطويل بمخاطر صحية جسيمة تشمل أنواعاً مختلفة من السرطان، خاصة سرطان الدم وسرطانات الجهاز الهضمي. لكن الأمر لا يتوقف عند الأورام الخبيثة، فهذه المركبات الكيميائية تعبر الحاجز الدموي الدماغي لتصل إلى الجهاز العصبي، مسببة اضطرابات عصبية قد تبدأ بصداع مزمن ودوار، وتنتهي بمشاكل في الذاكرة والتركيز.

الكبد والكلى، وهما مصفاة الجسم الطبيعية، يدفعان الثمن الأكبر. فالتعرض المستمر للهيدروكربونات يثقل كاهل هذين العضوين الحيويين، وقد يؤدي على المدى البعيد إلى فشل كبدي أو كلوي مزمن، خاصة لدى الفئات الأكثر هشاشة كالأطفال والمسنين والحوامل. كما أن هناك أدلة متزايدة على تأثير هذه المركبات في الجهاز المناعي والغدد الصماء، مما قد يؤدي إلى اضطرابات هرمونية ومشاكل في الإنجاب.

تاجوراء تعيش على فوهة بركان بيئي

ما يجعل وضع تاجوراء أكثر خطورة هو الاعتماد شبه الكامل للسكان على المياه الجوفية. ففي ظل غياب شبكة مياه بلدية موثوقة ونظيفة، أو عدم كفاية الإمدادات منها، لجأت الغالبية العظمى من الأسر إلى حفر آبار خاصة لتأمين احتياجاتها اليومية من المياه. هذه الآبار، التي غالباً ما تكون سطحية وغير محمية بشكل كاف، أصبحت الآن بوابة لدخول السموم إلى المنازل.

الدراسة العلمية لم تترك مجالاً للشك في توصيف الخطر. “الوقف الفوري لاستخدام المياه الملوثة أمر ضروري”، هكذا جاء في توصيات الباحثين، الذين أدركوا أن استمرار سكان تاجوراء في استهلاك هذه المياه يعني استمرار حقن المجتمع بجرعات يومية من مواد مسرطنة. لكن كيف يمكن وقف استخدام المياه في منطقة لا توجد فيها بدائل متاحة؟ هذا هو السؤال الأصعب الذي ينتظر إجابة من السلطات.

دعوة إلى تحرك عاجل ومستدام

الدراسة التي استغرقت شهوراً من البحث والتحليل والمراجعة العلمية، لم تكن مجرد توثيق للأزمة، بل حملت في طياتها خارطة طريق واضحة للخروج من هذا المأزق البيئي والصحي. في مقدمتها الدعوة إلى تعزيز الرقابة الدورية على جميع محطات الوقود في تاجوراء ومناطق ليبيا الأخرى.

خزانات الوقود الأرضية، خاصة تلك التي مضى على تركيبها سنوات طويلة، تكون عرضة للصدأ والتآكل والشروخ الدقيقة التي لا ترى بالعين المجردة. لذلك، شددت الدراسة على ضرورة إجراء فحوصات دورية لسلامة هذه الخزانات، واستخدام تقنيات حديثة للكشف المبكر عن أي تسرب قبل أن يتحول إلى كارثة بيئية.

كما طالبت الدراسة بإجراء تقييمات عاجلة وشاملة للمخاطر الصحية على السكان، تتضمن فحوصات طبية للمتضررين المحتملين، خاصة أولئك الذين يسكنون في محيط المحطات الملوثة. هذا التقييم يجب أن يشمل تحاليل للدم والأنسجة للكشف عن وجود أي تراكمات للمواد النفطية في أجسامهم.

مسؤولية الحكومة وسؤال السياسات البيئية

الجزء الأكبر من المسؤولية يقع على عاتق الحكومة والجهات الرسمية المعنية. الدراسة وجهت نداء واضحاً إلى بلدية تاجوراء والجهات المركزية في طرابلس بضرورة تطوير سياسات صارمة تنظم تشغيل محطات الوقود وتراقب أداءها البيئي. هذه السياسات يجب أن تشمل اشتراطات فنية دقيقة في إنشاء المحطات الجديدة، ومعايير صارمة لصيانة القديمة، وعقوبات رادعة على المخالفين الذين يتسببون في كوارث بيئية.

الدراسة العلمية المنشورة في دورية عالمية، تحمل اسم ليبيا ومراكزها البحثية، وتقدم مادة علمية رصينة يمكن البناء عليها لاستصدار قرارات وتشريعات تحمي المواطن والبيئة. لقد قدم الباحثون الليبيون خدمة جليلة لوطنهم بوضع أيديهم على موطن الداء، وتقديم الدليل العلمي القاطع على وجوده.

الآن، تنتقل الكرة إلى ملعب الجهات التنفيذية. فما الفائدة من دراسة علمية رصينة تثبت وجود تلوث يهدد حياة الناس، إذا بقيت حبيسة الأدراج ولم تترجم إلى إجراءات على الأرض؟ سكان تاجوراء، الذين ملأوا الآبار في منازلهم منذ سنوات طالبين ماء نقياً، ينتظرون اليوم ماءً نظيفاً حقاً، لا يحمل معه في طياته بذور الأمراض والموت البطيء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى