أخبار العالمليبيا

أزمة الضريبة اليتيمة.. انقسام النواب يربك السوق والمواطن في حلقة الضعف الأضعف

البركي تحذر: فتوى الإفتاء بشبهة الربا سترفع الدولار وتعمق معاناة المواطن

البركي: الفجوة بين سعري الدولار الرسمي والموازي تعكس أزمة ثقة لا اقتصاد


في مشهد يعيد إنتاج ذات السيناريو المكرر منذ سنوات، يجد المواطن الليبي نفسه مجدداً أمام معادلة اقتصادية قاسية، بين مؤسسات تتصارع على الشرعية وسوق لا تعترف سوى بقانون العرض والطلب، فيما تبقى الأعباء المعيشية وحدها هي الثابت الوحيد في هذا المشهد المتقلب.

مع بداية الأسبوع المصرفي الجديد، يطل سؤال حاسم يبحث عن إجابة: بأي سعر سيبيع مصرف ليبيا المركزي الدولار؟ وذلك بعد موجة واسعة من التنصل والخلافات العلنية داخل مجلس النواب حول الضريبة التي أثير الجدل بشأنها مؤخراً، ليصبح السؤال الأعمق: من المسؤول حقاً عن قرار يمس جيب المواطن بشكل مباشر؟

ضريبة بلا أب شرعي

تكشف الأيام الأخيرة عن حالة غير مسبوقة من التخبط داخل المؤسسة التشريعية، حيث تحول ملف ضريبة السلع المستوردة إلى ساحة تصفية حسابات وتبادل اتهامات علني بين رئيس مجلس النواب ونائبيه. فبينما يؤكد رئيس المجلس عقيلة صالح أن القرار أقر في جلسة ترأسها أحد نائبيه، يأتي الرد بالنفي القاطع من النائب الأول فوزي النويري الذي يؤكد أنه لم يعرض الموضوع من الأساس، مشيراً إلى أن جميع المراسلات صدرت بتوقيع رئيس المجلس نفسه .

هذا التجاذب وصل إلى حد إقالة رئيس لجنة الاقتصاد والاستثمار، وتوقيع أكثر من مئة نائب على بيان يرفض أي قرارات ضريبية صدرت خارج الأطر الدستورية، بل ذهب البعض إلى الدعوة لعقد جلسة برئاسة أكبر الأعضاء سناً في خطوة تهدف لتغيير قيادة المجلس .

منشورات البركي: قراءة في وجع المواطن

وسط هذا الصخب السياسي، تقدم الباحثة الإعلامية الدكتورة ريم البركي، عبر منشوراتها على موقع التواصل الاجتماعي، قراءة مختلفة للأزمة، تقترب فيها من تفاصيل المعاناة اليومية للمواطن، وتفكك الإشكاليات التي تغيب عن الخطاب الرسمي.

التاجر ليس عدواً

تشير البركي في أحد منشوراتها إلى أن المواطن يخطئ عندما يتهم التاجر بالربا أو الجشع، فالتاجر الذي يشتري بضاعته بالدولار ويبيعها بالدينار هو جزء من معادلة لا يمكنه الخروج عنها. عندما يطلب التاجر أسعاراً متفاوتة بين الدفع النقدي والتحويل البنكي، فهو يعكس ببساطة كلفته الحقيقية التي تفرضها السوق، لأنه مضطر ليعاود الشراء مجدداً بالعملة الصعبة. وتستدرك البركي: “مشكلتك مش مع التاجر… مشكلتك مع ناجي عيسي”، في إشارة إلى أن الخلل هيكلي وليس سلوكياً، وتطرح سؤالاً أكثر حدة: “تفرق لما تعدي لطبيب في العيادة ويقولك الكشف كاش بـ50 وتحويل بـ55… هنا فيها شبه ربا كبيرة جداً”.

فتوى الإفتاء.. قنبلة موقوتة في سوق الصرف

وتلفت البركي إلى تداعيات فتوى اللجنة العليا للإفتاء التي أوصت بالتريع وعدم الإقدام على معاملة الـ2000 دولار لشبهة الربا، معتبرة أن هذه الفتوى، وبغض النظر عن كون معظم التعاملات المالية في ليبيا منذ أكتوبر الماضي تدخل في دائرة المعاملات الربوية قطعاً، ستساهم بشكل كبير في ارتفاع سعر الدولار داخل السوق المحلية.

المركزي في موقف محرج

وتتساءل البركي عن توقف صفحة المصرف المركزي عن نشر الإيرادات اليومية، ساخرة: “وحدة من الإثنين: إما الأدمن صايم وإما الأدمن إجازة… ماهو طبيعي مش هيكون بسبب ارتفاع سعر النفط عالمياً وزيادة قيمة الإيرادات”، لتعكس بذلك حالة الترقب والارتياب التي تحيط بتصرفات المؤسسة النقدية في الوقت الذي يتجاوز فيه سعر الدولار في السوق الموازية حاجز التسعة دنانير، بفارق يزيد عن أربعة دنانير عن السعر الرسمي .

المواطن الحلقة الأضعف

تقرأ البركي المشهد من زاوية إنسانية قبل أن تكون اقتصادية، فالمواطن الليبي يجد نفسه أمام معادلة معقدة: مؤسسات تتنصل من المسؤولية، وسوق موازية تتحكم في مصيره، وتجار يبحثون عن هامش ربح في ظل غياب سياسات نقدية واضحة.

ما تثيره منشورات البركي يعيد طرح السؤال الأساسي: هل يكمن الحل في تعديل سعر الصرف فقط، أم في معالجة جذرية لبنية الاقتصاد الليبي الريعي الذي يعتمد على الاستيراد بشكل شبه كلي، ويعاني من غياب رقابة حقيقية على الصادرات النفطية وتشتت مراكز القرار المالي؟ .

وفي انتظار إجابة، يبقى المواطن الليبي رهينة صراعات لا تنتهي، وقرارات توصف بأنها “يتيمة سياسياً”، فيما تستمر الأسعار في الارتفاع، وتتسع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق، وتتعمق أزمة ثقة لم تعد تخفى على أحد .


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى