ليبيون بين نار الدولار وجمر العيد.. فرحة الأطفال تذوب تحت وطأة الغلاء
ليبيا 24
أسعار مستلزمات العيد تشتعل في ليبيا والأسر تواجه عبئاً مضاعفاً
يفترش محمد الشويل الأرض في سوق شعبي بأطراف طرابلس، بضاعته من الملابس المستعملة التي أحضرها من مناطق بعيدة، يحاول جاهداً توفير ما يسعد به الأطفال في العيد، لكن نظراته الحائرة إلى أكوام الثياب وكومة النقود المعدودة في جيبه تروي قصة آلاف الأسر الليبية عشية عيد الفطر. فبينما تعلو أصوات الباعة المنادين على بضاعتهم في الأسواق، تتصاعد في الخلفية موجة غلاء غير مسبوقة تجتاح كل شيء، محولة فرحة العيد إلى هاجس يثقل كاهل المواطنين ويضع قدرتهم على الشراء على محك يومي.
ارتفاع قياسي يسبق العيد
مع اقتراب الهلال، تتحول الأسواق في المدن الليبية إلى مرآة تعكس واقعاً اقتصادياً قاسياً. ففي الوقت الذي يفترض أن تعلو فيه ضحكات الأطفال وهم يقبلون على شراء ملابس العيد الجديدة، يسود وجل عميق لدى الأسر التي تجد نفسها أمام زيادات غير مسبوقة في الأسعار. ويؤكد متعاملون في السوق أن ما كان يباع بثمن زهيد قبل أسابيع، بات اليوم يشكل عبئاً لا يطاق. فعلى سبيل المثال، تلك القطعة من الملابس التي كان سعرها لا يتجاوز المئة وخمسين ديناراً في الأيام العادية، قفزت إلى قرابة الثلاثمائة دينار مع بدء موسم العيد، وكأن ليلة العيد أصبحت فرصة سانحة لبعض التجار لتعويض خسائرهم على حساب فرحة الصغار.
أزمة تتجاوز طرابلس
لا تقتصر هذه الصورة على أسواق طرابلس وحدها، بل تمتد لتشمل مدن الغرب الليبي كافة. ففي بني وليد، يعيش المواطنون على وقع دورة سنوية من ارتفاع الأسعار تبدو كأنها قدر لا مفر منه. ويشير متحدثون إلى أن هذه الزيادات لم تعد مفاجئة، بل تحولت إلى نمط متوقع مع كل مناسبة، إذ تضاف نسبة سنوية تصل إلى ربع القيمة كل عام. ونتيجة لذلك، بات بعض رب الأسر يلجأون إلى شراء احتياجات العيد قبل شهر رمضان بوقت طويل، محاولين الإفلات من قبضة السوق في موسم الذروة، لكن هذه الحيلة الفردية لم تعد تجدي نفعاً أمام غياب أي رقابة حقيقية على حركة البيع والشراء.
معاناة الأسر الكبيرة
في بيوت متواضعة تؤوي عدداً كبيراً من الأطفال، تبدو القصة أكثر إيلاماً. تحكي إحدى الأمهات، وهي تحاول جاهدة توفير ما يسعد به أطفالها الخمسة، كيف أن فاتورة الملابس باتت خيالية بمقاييس الجميع. فمجرد التفكير في شراء طقم بسيط لطفل واحد يتطلب مئتي دينار على الأقل، دون احتساب الأحذية أو القطع الأخرى. وعندما يكون في البيت سبعة أطفال، تتحول العملية الحسابية إلى كابوس، إذ يصل المجموع إلى أرقام لا تستطيع ميزانية أسرة موظف عادي أن تتحملها، خاصة مع تداخل المصاريف الأخرى التي لا تنتهي على مدار العام.
التضخم.. الرقم الذي لا يظهر
في ظل هذا الواقع المرير، تغيب الأرقام الرسمية الدقيقة التي تعكس حجم المعاناة. ورغم أن آخر تقارير المصرف المركزي أشارت إلى تضخم لا يتجاوز نسبة ضئيلة على أساس سنوي، إلا أن مؤشرات دولية مستقلة ترسم صورة مغايرة تماماً. فقد صنف مؤشر عالمي ليبيا بين الدول الأكثر تضرراً بالتضخم، مسجلاً نسبة تزيد على خمسة وخمسين بالمائة سنوياً، وهو رقم يعكس حجم الهاوية التي تسقط فيها القوة الشرائية للمواطن الليبي، ويجعل أي حديث عن استقرار معيشي مجرد سراب.
شبح الدولار يخيم على كل شيء
يقف خلف هذه الزيادات الجنونية متغير عنيف في سعر صرف الدينار الليبي أمام العملات الأجنبية، خاصة الدولار. فالسوق الموازية تحكم قبضتها على الاقتصاد، والدولار يقفز فيها إلى مستويات قياسية تزيد على عشرة دنانير، أي بفارق كبير جداً عن السعر الرسمي. هذا الصعود العنيف يعني ببساطة أن كل سلعة مستوردة، وكل قطعة ملابس جلبت من الخارج، يدفع ثمنها المواطن مرات مضاعفة. ويصف مراقبون هذه الأموال التي تخرج من جيوب الليبيين لشراء احتياجات العيد بأنها وقود لدوامة لا تنتهي من ارتفاع الأسعار.
الاحتكار وسلاح السوق
لكن المشكلة لا تكمن في سعر الدولار وحده. فالخبراء الاقتصاديون يحذرون من تعقيدات أخرى تغذي نار الغلاء. فعملية استيراد البضائع ووصولها إلى الأسواق تخضع لسيطرة أطراف متعددة، بعضها لا يتورع عن استخدام الاحتكار كسلاح لزيادة الأرباح. وتشير تحليلات إلى أن فوضى الاعتمادات المستندية، وشح العملة الصعبة، إلى جانب عمليات تهريب البضائع إلى دول الجوار، كلها عوامل تخلق أزمة مصطنعة في المعروض، ترفع الأسعار بشكل غير مبرر، خاصة مع زيادة الطلب في المواسم.
انعكاسات إقليمية على جيب المواطن
لا يمكن عزل السوق الليبية عما يجري حولها من اضطرابات. فالصراعات الدائرة في المنطقة، بما فيها تلك البعيدة جغرافيا، تترك أثرها المباشر على حياة الناس اليومية. فالحرب الإيرانية والتوترات المستمرة في طرق التجارة العالمية، ترفع تكاليف الشحن والتأمين على البضائع. وليبيا، التي تعتمد بشكل شبه كلي على الاستيراد لتلبية احتياجات مواطنيها، تجد نفسها في مقدمة الدول المتأثرة بهذه التكاليف الإضافية، لتنتقل العدوى التضخمية من أسواق الطاقة العالمية إلى أسواق الملابس والأحذية المحلية، لتزيد الطين بلة.
بين فاتورة رمضان وفرحة العيد
يروي مواطنون كيف أن السنة المالية بالنسبة لهم أصبحت أشبه بدوامة لا تهدأ. فهم بالكاد ينهون نفقات شهر رمضان الثقيلة، حتى يفاجأوا بمتطلبات عيد الفطر، ثم سرعان ما يبدأ العد التنازلي لعيد الأضحى، وقبل أن يفيقوا من عناء ذلك، يدق ناقوس الخطر معلناً قرب العام الدراسي الجديد بكل تكاليفه الباهظة. في هذا السيناريو المتكرر، تبدو رواتب الموظفين التي تتراوح بين ألف وخمسمائة وألفي دينار غير قادرة على الصمود، ناهيك عن حال من لا دخل ثابت لهم والذين يزداد عددهم يوماً بعد يوم.
ورغم كل هذا السواد، لا تزال في قلوب الليبيين بقية أمل تمنعهم من الاستسلام. فالآباء والأمهات، على قلة حيلتهم وضيق ذات يدهم، يصممون على ألا يحرم فلذات أكبادهم من لحظة فرحة يوم العيد. إنهم يقلصون من طعامهم، يؤجلون دفع فواتيرهم، وربما يستدينون، فقط ليتمكنوا من شراء تلك القطعة الجديدة التي ستضيء عيون صغارهم صباح العيد. فابتسامة طفل، مهما كانت التضحية، تبقى عندهم أثمن من كل الحسابات، وهي الشمعة التي لا تزال تضيء في ظلمة هذا المشهد الاقتصادي القاتم.



