فوضى العنف في حديقة الحيوانات… طرابلس بين حلم الترفيه وكابوس الإيذاء
حديقة حيوان طرابلس تتحول إلى ساحة عنف بعد أيام من افتتاحها.
تترقب طرابلس مصير متنفسها الأبرز بعد سلسلة اعتداءات هزت المشهد الاجتماعي وأعادت إلى الواجهة سؤال المسؤولية الأخلاقية والقانونية في حماية الفضاءات العامة والكائنات الحية.
في مشهد يعكس تناقضاً صارخاً بين حق العائلات في الترفيه وغياب ثقافة التعامل مع الممتلكات العامة، تحولت حديقة الحيوانات بمنطقة بوسليم في طرابلس خلال أيام قليلة من إعادة افتتاحها إلى مسرح للاعتداءات المتكررة، لم تسلم منها حتى الحيوانات التي كانت رمزاً للحياة والجذب في هذا المكان. فقد كشفت مقاطع فيديو متداولة وتقارير أمنية عن وقوع تخريبات متعمدة في البنية التحتية للحديقة، وإلحاق أذى جسدي ونفسي بعدد من الحيوانات النادرة، في حادثة أثارت موجة نقاش مجتمعي غير مسبوقة حول ضرورة إعادة النظر في آليات الحماية والتأهيل الثقافي قبل افتتاح مثل هذه المرافق.

مرافق عامة تحت الاختبار
لم تكن إعادة افتتاح حديقة الحيوانات في بوسليم مجرد حدث عابر، بل مثلت لحظة أمل للكثير من الأسر الليبية التي افتقدت لسنوات طويلة وجود فضاء آمن يقضي فيه الأطفال أوقاتاً بعيداً عن وطأة المشاهد القاسية التي خلفتها سنوات النزاع. فقد ظلت الحديقة مغلقة لنحو عقد كامل، بسبب تدهور الأوضاع الأمنية وخروجها عن سيطرة مؤسسات الدولة، لتتحول خلال تلك الفترة إلى مساحة مهملة تعكس واقع التهميش الذي طال قطاعات واسعة من البنية التحتية الترفيهية.
غير أن الفرحة التي سادت بين الأهالي بعد إعادة التأهيل والتجهيز لم تدم سوى أيام قلائل، إذ سرعان ما انقلب المشهد إلى حالة من الصدمة إثر تداول صور ومقاطع مصورة توثق عمليات تخريب مقصودة، كان أبرزها إتلاف أجزاء من السياج الخارجي للحديقة، والتسلل إلى داخلها بطرق غير قانونية، إلى جانب سلوكيات عدوانية طالت حيوانات كانت تعيش في بيئة شبه محمية.
اعتداءات ممنهجة أم سلوكيات فردية؟
وفقاً للمعطيات التي رصدتها الجهات المختصة، فإن الاعتداءات لم تكن مجرد تجاوزات عابرة، بل توزعت بين إلقاء بقايا التبغ والسجائر المشتعلة على الحيوانات، ما تسبب في إصابات بالغة، وصولاً إلى استهداف أحد القرود بمسدس مخصص للخرز أدى إلى فقدانه عينيه. كما أظهرت مقاطع مصورة قيام أطفال بمهاجمة سلحفاة نادرة، في مشهد أثار موجة استنكار واسعة وسط ناشطين حقوقيين ومهتمين بشؤون البيئة.


وفي هذا السياق، أوضحت مديرية أمن طرابلس أن الكاميرات المنتشرة في مختلف مرافق الحديقة رصدت وقائع متعددة، مشيرة إلى أن أعمال التخريب تمثل خرقاً واضحاً للقواعد التنظيمية التي أعلنتها الجهات المشرفة، داعية العائلات إلى ضرورة مراقبة سلوكيات أطفالها أثناء الزيارات، وتعزيز مبدأ المسؤولية الفردية تجاه الممتلكات العامة.
انقسام مجتمعي بين إغلاق الحديقة وإعادة التأهيل الثقافي
مع تصاعد المشاهد المؤلمة، انقسم رواد منصات التواصل الاجتماعي إلى معسكرين متباينين: فريق يرى أن الحل الوحيد يكمن في إغلاق الحديقة مجدداً إلى حين توفير شروط الحماية الكاملة، وفريق آخر يعتبر أن الإغلاق عقاب جماعي يحرم الأسر من متنفسها الطبيعي، داعياً إلى التركيز على برامج توعوية وعقوبات رادعة بحق المعتدين.
في هذا الصدد، قال المواطن طه البوسيفي في تدوينة واسعة الانتشار إن المطالب بإغلاق الحديقة تمثل إحراجاً للمجتمع الليبي، مشيراً إلى أن “الحل لا يكون بإغلاق المكان، بل بتعليم الأطفال منذ نعومة أظفارهم كيف يتعاملون مع الكائن الحي ومع المكان العام”. بينما ذهب الناشط أبو يوسف العائب إلى ضرورة تشريع قانون جديد يجمع بين الغرامة المالية والسجن بحق كل من يثبت تورطه في الاعتداء على الحيوانات أو التخريب المتعمد.
في المقابل، دعت الناشطة في مجال العمل المدني ابتسام خليفة إلى عدم تعميم سلوكيات مجموعة قليلة على المجتمع بأسره، مؤكدة أن “الحديقة ليست مجرد ساحة للعب، بل مدرسة مفتوحة يتعلم فيها الأطفال احترام الطبيعة والتنوع البيولوجي، وإغلاقها سيكون خسارة كبيرة للجميع”. فيما رأى المحلل الاجتماعي عبد السلام المشرقي أن تكرار مثل هذه الحوادث في وقت قياسي يعكس غياب الرقابة الكافية ووجود فجوة في التخطيط الأمني، مشدداً على ضرورة الإغلاق المؤقت لحين إعادة تقييم الوضع.
جمعية الرفق بالحيوان: مشاهد صادمة تفضح غياب الردع
من جانبها، وصفت جمعية الرفق بالحيوان ما تعرضت له الحيوانات داخل الحديقة بأنه “إيذاء متعمد يتجاوز حدود التصرفات الفردية إلى سلوكيات تتنافى مع القيم الإنسانية”. وناشدت الجمعية في بيانها السلطات الرسمية بالتدخل العاجل لضمان حماية الحيوانات التي تعيش في الأسر، والتي لا تملك وسيلة للدفاع عن نفسها أمام هجمات الزوار.
وأكدت الجمعية أن الحالات التي تم توثيقها، ومنها رمي قوارير المياه الفارغة على الأسود وإحراق أجزاء من المساحات الخضراء، تكشف عن غياب ثقافة الرفق بالحيوان في أوساط شريحة لا يستهان بها من الزوار، داعية إلى إدراج مواد تعليمية في المناهج المدرسية تعزز الوعي بحقوق الكائنات الحية.
غياب القانون وتحديات الرقابة
ويرى مراقبون أن ما حدث في حديقة الحيوانات ببوسليم ليس مجرد حالات فردية خارجة عن السيطرة، بل يعكس أزمة أعمق تتعلق بفعالية مؤسسات الدولة في حماية المرافق العامة وضبط السلوك داخل الفضاءات المفتوحة. فغياب دوريات مراقبة ثابتة، وعدم تفعيل آليات الرقابة المجتمعية المشتركة، إلى جانب عدم وجود رادع قانوني فوري، كلها عوامل شجعت البعض على تجاوز الخطوط الحمراء.
كما أن غياب حملات التوعية المسبقة قبل إعادة افتتاح الحديقة شكل ثغرة إضافية، حيث كان يمكن تنظيم ورشات توعوية للأسر حول كيفية التعامل مع الحيوانات والحفاظ على نظافة المكان، إلى جانب توزيع منشورات إرشادية عند بوابات الدخول، وهو ما لم يحدث بصورة كافية.
المسؤولية بين الدولة والمواطن
في قراءة موسعة للمشهد، يتبين أن ملف حماية المرافق الترفيهية في ليبيا لا يزال بحاجة إلى مقاربة شاملة لا تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل تتجاوزه إلى بناء ثقافة مجتمعية قائمة على احترام الملكية العامة والإحساس بالانتماء. فالحدائق العامة والمتنزهات ليست مجرد مواقع ترفيهية عابرة، بل هي مرآة تعكس مدى تطور الوعي المجتمعي ونضج العلاقة بين المواطن ومؤسسات دولته.
من جهة أخرى، تقع على عاتق الجهات المعنية مسؤولية مضاعفة في تأمين هذه المرافق وتوفير بيئة آمنة تحول دون تكرار مثل هذه الانتهاكات. فتركيب كاميرات مراقبة لا يكفي إذا لم يقترن بوجود قوة تدخل سريع، وتطبيق عقوبات نموذجية تكون رادعة لكل من تسول له نفسه المساس بهذه الممتلكات.
نحو رؤية متكاملة
في ظل هذا الجدل المحتدم، يبرز تساؤل محوري: هل ستتحول محنة حديقة الحيوانات في بوسليم إلى فرصة حقيقية لإعادة ترتيب أولويات التعامل مع الفضاءات العامة في طرابلس؟ أم أن المشهد سيتكرر مع أي متنفس آخر يتم افتتاحه مستقبلاً؟
تجارب دول كثيرة أثبتت أن نجاح إدارة المرافق الترفيهية لا يقوم فقط على جودة البناء والتجهيز، بل على وجود استراتيجية متكاملة تشمل الجوانب الأمنية والتشريعية والتوعوية. ففي بلدان عديدة، تُعد زيارة حدائق الحيوانات تجربة تعليمية بامتياز، تسبقها برامج في المدارس حول كيفية التعامل مع الحيوانات، وتصاحبها كوادر متخصصة تشرح للزوار طبيعة الكائنات الحية وأهمية الحفاظ عليها.
وبناءً على ذلك، يرى خبراء في الشأن الاجتماعي أن الحل الأمثل لأزمة حديقة الحيوانات لا يكمن في إغلاقها بشكل كامل، بل في فرض فترة عقابية مؤقتة لإعادة تنظيم العمل داخلها، مع تشكيل لجنة مشتركة تضم ممثلين عن وزارة الداخلية، وجهاز الحرس البلدي، وجمعيات المجتمع المدني، لتضع خطة أمنية وتوعوية محكمة، على أن يكون إعادة فتحها مشروطاً بتنفيذ هذه الخطة بشكل صارم.
اختبار للضمير العام
ما جرى في حديقة حيوانات بوسليم ليس مجرد خبر عابر في صفحات الحوادث، بل هو اختبار حقيقي لمدى استعداد المجتمع الليبي للحفاظ على مكتسباته بعد سنوات من الانهيار. فالحديقة التي أعيد تأهيلها بعد عقد من الإغلاق كانت تمثل رسالة أمل بأن الحياة قادرة على العودة رغم كل الصعاب، لكن السلوكيات العدوانية التي شهدتها حوّلت تلك الرسالة إلى سؤال مؤرق: هل نحن فعلاً مستعدون لاستلام مفاتيح مدننا ومتنفساتنا العامة؟
يبقى الأمل معقوداً على أن تشكل هذه الصدمة المجتمعية لحظة يقظة تدفع الجميع، أفراداً ومؤسسات، إلى إعادة النظر في مفهوم المسؤولية تجاه المكان العام والكائنات التي تشاركنا العيش فيه، قبل أن تتحول أي مبادرة إعمار إلى فسحة للفوضى والتدمير.



