ليبيا

الواقع الافتراضي يصطدم بشوارع بنغازي: جيل الألعاب القتالية يواجه القانون

بنغازي تطارد "حروب المطاط" المحاكية لألعاب القتال الإلكترونية


ليبيا 24
الحكومة الليبية تصادر أسلحة وهمية بعد معارك شوارع المراهقين

المشهد الليبي بين الرصاص الحقيقي والمطاطي

في تحول دراماتيكي يعكس تداخل الهواجس الأمنية والثقافية، تحولت شوارع بنغازي مؤخراً إلى ساحة لتجسيد مشاهد رقمية دامجة بين الخيال والواقع. فبينما لا تزال جدران المدينة تحمل ندوب صراعات سابقة، خاضها رجال بأسلحة حقيقية، ظهر لاعبون جدد من فئة المراهقين والشبان، يحملون “أسلحة مطاطية” ويستعرضون مهارات قتالية مقتبسة من شاشات هواتفهم، في مشهد لم تألفه المدينة حتى في أوج اشتباكاتها المسلحة.

هذه “الحروب المصغرة” التي انتقلت من الألعاب الإلكترونية إلى الساحات العامة والأسواق، لم تكن مجرد تسلية عابرة، بل تحولت إلى مصدر رعب حقيقي للمواطنين، دفعوا بالشكاوى إلى مراكز الشرطة، متحدثين عن حالة ترويع يومي يعيشها المارة، وعن مشاهد مراهقين يتبادلون إطلاق النار بأسلحة تشبه تماماً تلك التي يرونها في لعبة “البقاء والقتال” الأشهر عالمياً. مما دفع مديرية أمن بنغازي إلى إطلاق حملة واسعة لمصادرة هذه الأسلحة، ومقاضاة مروجيها ومستخدميها.

بين شاشة الهاتف وذاكرة الرصاص: كيف يولد العنف مرتين؟

في استراحة بسيطة، يتابع “محمد” (45 عاماً)، وهو أب لثلاثة أطفال، مشهداً اعتاد عليه يومياً أمام منزله. يقول: “ابني الأصغر لا يخرج إلى الشارع إلا وكأنه جندي في لعبة حرب. يصرخ، يركض، يطلق النار من مسدسه المطاطي على أقرانه. المشكلة أنه لم يعد يفرق بين اللعب والواقع. عندما نعاتبه، يردنا بعبارات سمعها من اللعبة: أنا في مهمة قتالية، أو أنا أدافع عن نفسي”.

هذا القلق الذي يعيشه “محمد” ليس فردياً. فقد لاحظت “سعاد”، وهي أم لمراهق يبلغ من العمر 14 عاماً، تبدلاً ملموساً في سلوك ابنها بعد ساعات طويلة من الانغماس في هذه الألعاب. تقول بصوت يخنقه الأسى: “أصبح عنيفاً، سريع الانفعال، ويستخدم في كلامه اليومي ألفاظاً وعبارات لا تليق بعمره، مستوحاة من مفردات اللعبة التي يلعبها مع أصدقائه”.

ويرى أستاذ علم اجتماع السكان، أن هذه الظاهرة لا يمكن فصلها عن السياق العام الذي تعيشه ليبيا. يقول: “الأطفال والشبان الليبيون نشأوا في بيئة رأى كثيرون منهم فيها اشتباكات حقيقية، وسمعوا أصوات الرصاص الحي، وشاهدوا آليات عسكرية تجوب شوارعهم. هذا المشهد أصبح جزءاً من ذاكرتهم الجمعية. وعندما يأتي دور الألعاب الإلكترونية، فإنها لا تخترع العنف من العدم، بل تعيد تنشيطه وتقديمه بشكل تفاعلي، مما يجعل المحاكاة في الشارع أمراً شبه طبيعي بالنسبة لهم”.

حملة أمنية لا تكفي… والشارع الليبي ينتظر بدائل

من جانبها، أعلنت مديرية أمن بنغازي أن حملتها تأتي استجابة لشكاوى المواطنين، وأنها لن تقتصر على المصادرة، بل ستطال المحال التجارية المخالفة. وقد تم بالفعل ضبط عدد من الشبان، بالتزامن مع حملة تفتيش للحرس البلدي على محال بيع الألعاب، أسفرت عن مصادرة كميات كبيرة من هذه الأسلحة.

لكن هذه الإجراءات تبقى، بحسب متابعين، مسكنات آنية لأزمة أعمق. فبينما تستمر الحملات الأمنية في مداهمة الباعة، يظل السؤال الأكبر معلقاً: ماذا سيقدم المجتمع الليبي لأبنائه من بدائل؟

يشير أستاذ علم الاجتماع إلى أن “الأسر والمدارس لا تملك حتى الآن فهماً عميقاً لثقافة الألعاب الرقمية. التركيز ينصب دائماً على المنع، وليس على الفهم والتوجيه. هؤلاء المراهقون يعيشون فراغاً كبيراً في الأنشطة الترفيهية والرياضية المنظمة، ويلجأون إلى الألعاب الإلكترونية كوسيلة للتواصل والتنافس مع الأصدقاء. إذا أردنا حل المشكلة، علينا أن نخلق فضاءات بديلة حقيقية، ونقدم برامج توعوية للآباء حول كيفية إدارة علاقة أبنائهم بهذا العالم الافتراضي”.

في الشارع الليبي، تتعدد الأصوات. يقول “خالد”، وهو صاحب محل تجاري في وسط بنغازي: “الحل ليس في مصادرة الألعاب فقط، لأن الأطفال سيجدونها في كل مكان. المشكلة أن مدينتنا تفتقر إلى أماكن ترفيهية آمنة. ابن المراهق ليس لديه نادٍ رياضي يذهب إليه، أو سينما، أو حديقة عامة مزودة بأنشطة. فماذا تريدون منه أن يفعل؟”.

بينما ترى “فاطمة”، معلمة في مدرسة ثانوية، أن المسؤولية تقع أولاً على الأسرة: “لا يمكننا أن نلقي باللوم على الدولة فقط. هناك آباء وأمهات يشترون لهواتف باهظة الثمن لأطفالهم ثم يتركونهم ساعات طويلة دون رقابة. يجب أن يكون هناك دور توعوي من المدارس والإعلام، وأن يفهم الجميع أن محاكاة العنف ليست لعبة، خاصة في بلد مثل ليبيا عانى كثيراً من ويلات الحرب”.

تبقى بنغازي، وكل المدن الليبية، أمام اختبار حقيقي لا يتعلق بالأمن فقط، بل ببناء ثقافة مجتمعية قادرة على استيعاب تحولات جيل كامل نشأ في فضاء مزدحم بالصور العنيفة، سواء أكانت حقيقية على أرض الواقع، أم افتراضية على شاشات الهواتف. فالمعركة اليوم ليست مع الأسلحة المطاطية بقدر ما هي مع حالة الفراغ وغياب التوجيه، ومع تحدٍ أكبر يتمثل في تحويل طاقة المراهقين من تقليد مشاهد القتال إلى بناء واقع أكثر إنسانية وسلاماً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى