ليبيا

هرمز والمتوسط يضربان الداخل الليبي: تضخم مستورد يأكل المدخّر ويُنهك الجيب

ليبيا المعتمدة على الاستيراد تدفع ثمن أزمات الملاحة


ليبيا 24

توترات هرمز والمتوسط تطلق موجة غلاء بليبيا

في مشهد يتكرر يومياً أمام محال البقالة والصيدليات بمدينة مصراتة، يقف المواطن الليبي حائراً بين سعر الأمس وسعر اليوم. لا حروب تدور في شوارعه، ولا انفجارات تهز مدينته، لكن تداعيات التوترات الجيوسياسية البعيدة تضرب رفوف متاجره بقسوة لم يشهدها منذ سنوات.

ما يجري في مضيق هرمز وشرق المتوسط لم يعد مجرد عناوين عابرة في نشرات الأخبار، بل تحول إلى قوة اقتصادية نافذة تعيد تشكيل واقع المعيشة اليومي لملايين الليبيين. فمع كل ارتفاع في أقساط التأمين البحري، وكل تغيير في مسارات ناقلات الحاويات، يرتفع سعر سلعة أو دواء في أسواق تعتمد على الخارج بنسبة تصل إلى خمسة وثمانين بالمائة من إجمالي احتياجاتها.

اعتماد قاتل: خمسة وثمانون بالمائة مستورد

الرقم الصادم ليس وليد اللحظة، لكنه يتحول إلى كابوس مع كل أزمة عالمية. ليبيا، البلد النفطي بامتياز، تصدّر ما قيمته أربعة وتسعون بالمائة من صادراتها على شكل خام، وتستورد كل شيء تقريباً: من حليب الأطفال إلى الأدوية الحيوية، ومن زيوت الطهي إلى آلات المصانع.

هذا الهيكل التجاري المختلّ جعل الاقتصاد الليبي أشبه بمرآة عاكسة لاضطرابات العالم. فعندما تشتعل الأوضاع في الممرات المائية الحيوية، لا يمر وقت طويل حتى تشتعل الأسعار في طرابلس وبنغازي وسبها.

يقول الخبير الاقتصادي عادل المقرحي في تصريحات صحفية : “هشاشة الهيكل الإنتاجي المحلي هي المرض المزمن. غياب قاعدة صناعية وزراعية قادرة على توفير البدائل يجعل ليبيا مستقبلاً صافياً للصدمات الخارجية، وليس دولة قادرة على امتصاطها”.

قفزة مئة وخمسين بالمائة في تكاليف الشحن

تشير أحدث أرقام قطاع النقل البحري إلى أن تكلفة شحن الحاوية القادمة من آسيا إلى موانئ المتوسط قفزت بنسبة تجاوزت مئة وخمسين بالمائة خلال الأشهر الستة الماضية. هذا الرقم لم يظهر فجأة؛ بل تراكم مع كل حادثة استهداف لناقلة، وكل تهديد أمني في مضيق هرمز، وكل إعادة توجيه لسفينة تجارية نحو مسارات أطول وأكثر كلفة.

عاملون في قطاع الاستيراد بمدينة بنغازي يؤكدون أن شركات الشحن العالمية لم تعد تتعامل مع المسارات التقليدية بالكلفة ذاتها. فقد أضيفت إلى الفواتير ما يمكن تسميته “علاوة المخاطر الجيوسياسية”، وهي تكلفة إضافية تُحمّل مباشرة على المستوردين، الذين بدورهم لا يجدون مفراً من تمريرها إلى المستهلك النهائي.

التاجر حسين الغويل، الذي يمتهن استيراد المواد الغذائية منذ عقدين، يصف الواقع بكلمات قاسية: “الحاوية التي كنا نستوردها بخمسة آلاف دينار قبل عام، أصبحت اليوم بأكثر من اثني عشر ألفاً، وهذا الفارق بالكامل يتحمله المواطن الذي يشتري السلعة من عندي”.

الشارع الليبي يئن: من الحليب إلى الدواء

في جولة ميدانية بعدد من مدن ليبيا، تتكرر شكوى المواطنين من قفزات سعرية غير مسبوقة. في طرابلس، يقول رب الأسرة خالد الفيتوري: “سعر لتر الحليب ارتفع من خمسة إلى ثمانية دنانير خلال أيام قليلة بعد شهر رمضان. الأدوية أيضاً لم تسلم، فسعر علبة الضغط قفز من دينارين إلى ثلاثة ونصف”.

في مصراتة، تروي ربة المنزل فاطمة الزنتاني معاناتها بصوت مبحوح: “الدخل الشهري للزوج لم يتغير منذ ثلاث سنوات، لكن فاتورة البقالة تضاعفت. أصبحنا نشتري نصف ما كنا نشتريه سابقاً، والأولوية للأطفال فقط”.

منصات التواصل الاجتماعي الليبية اشتعلت بهاشتاغ #غلاءلايطاق، وتداول مستخدمون صوراً لفواتير الشراء قبل وبعد رمضان، موثقين زيادات تراوحت بين ثلاثين وخمسين بالمائة في سلع أساسية مثل الزيت والسكر والدقيق.

أحد المغردين من مدينة الزاوية كتب: “نحن ندفع ثمن حروب لا نعرف عنها شيئاً. إيران وأميركا تتصارعان في الخليج، ونحن ندفع الفاتورة في الخبز والدواء”.

آلية الانتقال السريع: من السفينة إلى المواطن في أيام

ما يجعل الأزمة الليبية مختلفة عن غيرها هو سرعة انتقال الصدمات. ففي اقتصاد يفتقر إلى المخزون الاستراتيجي الكافي، وتسيطر عليه هوامش ربحية ضيقة لدى التجار، فإن أي ارتفاع في تكلفة الشحن أو التأمين يترجم إلى زيادة سعرية فورية.

الخبير المصرفي معتاز هويدي يشرح الآلية بدقة: “جزء كبير من واردات ليبيا، خصوصاً من شرق آسيا، يمر عبر دبي بوصفها مركزاً لإعادة التصدير. بيانات الاعتمادات المستندية لعام ألفين وخمسة وعشرين تُظهر أن حجم التعاملات مع الإمارات بلغ نحو أربعة فاصلة اثنين مليار دولار سنوياً. أي اضطراب في خطوط الإمداد المرتبطة بالخليج ينعكس مباشرة على تكلفة السلع في ليبيا”.

ويضيف هويدي: “غياب أدوات التحوط مثل المخزون الاستراتيجي الكافي أو تنويع الشركاء التجاريين يجعل الأسعار العالمية تنتقل إلينا بسرعة الضوء. الحرب المرتبطة بإيران رفعت كلفة الشحن والتأمين، وهذا يترجم تلقائياً إلى أسعار أعلى في السوق المحلية”.

معادلة مزدوجة: النفط يرتفع والغلاء يضرب

المفارقة الأكثر إيلاماً في المشهد الليبي أن توترات هرمز ترفع أسعار النفط عالمياً، وهو ما يعني نظرياً إيرادات أعلى للحكومة الليبية. لكن هذه الإيرادات تتبخر في متاهات الإنفاق العام وتدفق الفساد، قبل أن تصل إلى المواطن الذي يعاني من ارتفاع الأسعار ذاته الذي ساهم في زيادة الإيرادات.

الخبير الاقتصادي أحمد المبروك يصف هذه الظاهرة بـ”المعادلة المزدوجة” قائلاً: “من جهة، تصاعد التوترات الجيوسياسية يرفع سعر برميل النفط، وهذا جيد للميزانية الليبية. لكن من جهة أخرى، نفس التوترات ترفع فاتورة الواردات عبر زيادة تكاليف الشحن والتأمين. السؤال المحوري: هل تستطيع الدولة توظيف الإيرادات الإضافية لتعويض المواطنين عن ارتفاع الأسعار؟ الإجابة حتى الآن هي لا”.

المبروك يحذر من أن هذه المفارقة تتحول إلى حلقة مفرغة: “الإيرادات النفطية لا تنعكس بالكفاءة المطلوبة على مستوى معيشة المواطنين بسبب تعقيدات هيكل الإنفاق العام وغياب سياسات الدعم الموجهة، بينما تنتقل صدمات الأسعار العالمية إلى الداخل بوتيرة أسرع بكثير”.

تضخم مستورد بلا حلول سريعة

الخبير الاقتصادي عبد الفتاح أبوقصة يحلل موجة الغلاء الحالية باعتبارها تحمل سمات “التضخم المستورد” الخالص، أي أنه لا ينبع من زيادة الطلب المحلي أو من سياسات نقدية خاطئة، بل من ارتفاع التكاليف العالمية المرتبطة بالشحن وسلاسل الإمداد.

ويوضح أبوقصة أن هذا النوع من التضخم هو الأكثر تعقيداً في المعالجة لارتباطه بعوامل خارجية تتجاوز أدوات السياسة المحلية. فرفع أسعار الفائدة أو تقليص الإنفاق الحكومي لن يخفض تكلفة شحن الحاوية من شنغهاي إلى ميناء مصراتة.

ويضيف: “انتقال هذا التضخم يجري بسرعة لافتة في ظل غياب البدائل التنافسية. السوق الليبية أصبحت مستقبلاً صافياً للصدمات بدلاً من أن تكون قادرة على امتصاصها. استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى تآكل مستمر في القدرة الشرائية للمواطنين، ما لم تُواكب الإيرادات النفطية بسياسات مالية ونقدية أكثر كفاءة تستهدف حماية الفئات الأكثر هشاشة”.

غياب الحلول: لا مخزون استراتيجي ولا تنويع

عند البحث عن حلول، تبرز ثلاث نقاط ضعف بنيوية: أولاً، غياب مخزون استراتيجي كافٍ من السلع الأساسية يمكن استخدامه لامتصاص الصدمات السعرية. ثانياً، تركيز الواردات عبر مسارات تجارية محددة وشركاء تجاريين قلة، ما يزيد الحساسية تجاه أي اضطراب في تلك المسارات. ثالثاً، ضعف الإنتاج المحلي في قطاعات الغذاء والدواء والصناعات الخفيفة.

محاولات سابقة لإنشاء صوامع للحبوب أو مصانع أدوية محلية لم تصل إلى مستوى الطموح المطلوب، وبقيت مشاريع جزئية تعاني من نقص التمويل وسوء الإدارة.

أستاذ الاقتصاد عادل المقرحي يختتم حديثه بتحذير: “أزمة مضيق هرمز ليست الأخيرة. طالما ظل اقتصادنا معتمداً على الاستيراد بنسبة خمسة وثمانين بالمائة، وطالما ظل إنتاجنا المحلي محدوداً، فإن أي عاصفة في أي بقعة من العالم ستصل إلينا. الإصلاح الحقيقي يبدأ بتنويع القاعدة الإنتاجية، وتشجيع الصناعة المحلية، وبناء مخزون استراتيجي قادر على امتصاص الصدمات. غير ذلك، سنظل ندفع ثمن حروب الآخرين”.

في الوقت الذي تغرب فيه شمس يوم آخر على سواحل ليبيا، يقف مواطنون كثيرون أمام محال الخضراوات يتساءلون: كيف انتهى بنا الأمر ندفع ثمن توترات لا نعرف أسبابها ولا نملك التأثير فيها؟ السؤال يبقى معلقاً في الهواء، والأسعار تواصل الصعود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى