ليبيا

وسط توترات الخليج.. المؤسسة الوطنية للنفط تعلن استئناف التشغيل الكامل لأكبر حقول البلاد

ليبيا تعيد ضخ النفط الكامل من الشرارة لدعم الأسواق

ليبيا 24:

استئناف إنتاج أكبر حقل نفطي ليبي بعد صيانة عاجلة

في خطوة توصف بأنها الأهم لاستقرار قطاع الطاقة الوطني، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط اكتمال إعادة تشغيل حقل الشرارة، أكبر حقول البلاد، بطاقته القصوى، بعد أعمال صيانة طارئة لخط التصدير الرئيسي.

هذا التطور يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ تشهد الأسواق العالمية تقلبات عنيفة جراء التصعيد الجيوسياسي في منطقة الخليج.

صيانة في عمق الصحراء أعادت الحياة لشريان التصدير

في عملية أشبه بسباق مع الزمن، تمكنت فرق الصيانة التابعة لشركة أكاكوس للعمليات النفطية من إعادة تأهيل الخط الناقل الذي يربط حقل الشرارة بمصفاة الزاوية على الساحل، بعد حريق نشب نتيجة تسرب عند الصمام الثالث عشر قرب منطقة بئر المرحان في الحمادة.

الحادث الذي وقع في التاسع عشر من مارس الماضي استدعى تدخلاً عاجلاً، حيث عملت فرق الإطفاء والدفاع المدني وجهاز حرس المنشآت على مدار ثلاثة أيام للسيطرة على النيران قبل الشروع في عمليات الإصلاح الشاملة.

المؤسسة الوطنية أوضحت في بيان حصلت نسخة منه أن الإجراءات الاحترازية التي تلت الحادث لم تؤد إلى توقف كامل للإنتاج، إذ جرى الاعتماد على مسارات بديلة؛ فتم تحويل جزء من التدفقات عبر خط حقل الفيل إلى ميناء مليتة، فيما استُخدم خط الحمادة لنقل كميات أخرى إلى خزانات الزاوية حسب الطاقة الاستيعابية المتاحة.

هذا التوزيع الذكي للتدفقات مكّن الحقل من مواصلة الضخ بنحو نصف طاقته خلال فترة الأزمة، قبل أن يعاود الصعود تدريجياً بالتزامن مع تقدم أعمال الإصلاح.

أكبر حقل في البلاد وعصب الإنتاج الوطني

يقع حقل الشرارة في حوض مرزق، ممتداً على مساحة تقارب 8.7 ألف كيلومتر مربع، ويحمل في جوفه احتياطيات تُقدر بنحو ثلاثة مليارات برميل من الخام عالي الجودة.

ويدير هذا العملاق تحالف دولي بقيادة شركة أكاكوس إلى جانب كبرى الشركات العالمية، مما يعكس ثقل هذا المرفق الحيوي في خريطة الطاقة العالمية.

ويُعد هذا الحقل مسؤولاً عن نحو ثلث الإنتاج النفطي الليبي، حيث تتراوح معدلات إنتاجه المعتادة بين 300 و320 ألف برميل يومياً، مع إمكانية بلوغ 350 ألفاً في الظروف المثالية.

وإلى جانبه، أعادت المؤسسة تشغيل حقل الفيل المجاور الذي تبلغ طاقته نحو 70 ألف برميل يومياً، مما يعني أن السوق يستعيد في أفضل الأحوال ما بين 370 و390 ألف برميل يومياً من الخام الليبي.

عودة الإنتاج الليبي بين تأثير نظري وأزمة عالمية

ورغم الأهمية الكبيرة لهذه العودة، يرى مراقبون للقطاع أن تأثيرها على الأسعار يظل محدوداً في ظل العاصفة الجيوسياسية التي تجتاح أسواق الطاقة حالياً.

ففي الوقت الذي سجلت فيه أسعار النفط اليوم الثلاثاء ارتفاعات قوية تجاوزت اثنين بالمائة، حيث صعد خام تكساس الأميركي إلى 104.98 دولار للبرميل وارتفع خام برنت إلى 115.11 دولار، كانت الأنظار متجهة نحو تصريحات نقلتها الصحافة الأميركية عن الرئيس دونالد ترامب بشأن استعداده لإنهاء العمليات العسكرية في إيران حتى لو ظل مضيق هرمز مغلقاً.

هذه التطورات في الخليج العربي تترك أثراً أكبر بكثير على معادلات العرض والطلب، حيث تشير تقديرات متطابقة إلى أن الحرب الحالية وإغلاق مضيق هرمز أديا إلى تعطيل نحو عشرة ملايين برميل يومياً، أي ما يعادل عشرة بالمائة من الاستهلاك العالمي.

وبالمقارنة، فإن عودة الإنتاج الليبي، رغم أهميتها لاقتصاد البلاد، تظل بمثابة قطرة في بحر من الاضطراب، حيث لا يتجاوز تأثيرها النظري الهبوطي سياقاً محدوداً في مواجهة المخاوف الكبرى من انقطاع الإمدادات الخليجية.

مصفاة الزاوية في قلب المعادلة الوطنية

لا تقتصر أهمية استئناف الإنتاج على الأرقام التصديرية فحسب، بل تمتد لتغذية مصفاة الزاوية، أكبر المصفاة العاملة في البلاد، والتي تعتمد بشكل رئيسي على خام الشرارة.

هذا الربط المباشر بين الحقل والمصفاة يضمن استمرارية تكرير المشتقات النفطية الضرورية للسوق المحلية، ويخفف من الضغوط على محطات الكهرباء ووسائل النقل في ظل ارتفاع الطلب الموسمي.

المؤسسة الوطنية أكدت في بيانها على أن استئناف الضخ عبر الخط الرابط بين الشرارة والزاوية يمثل عودة كاملة للعمليات التشغيلية إلى طبيعتها، بعد فترة من الإجراءات الاحترازية التي نجحت في احتواء آثار الحادث دون خسائر كبيرة في الإنتاج الإجمالي.

تحديات السلامة واستدامة البنية التحتية

في خضم هذه التطورات، تواصل المؤسسة الوطنية للنفط تركيز جهودها على تعزيز معايير السلامة ورفع كفاءة البنية التحتية.

الحادث الذي وقع عند الصمام الثالث عشر أعاد إلى الواجهة ملف قدم البنى التحتية النفطية في البلاد، والحاجة الملحة إلى عمليات صيانة دورية شاملة لحماية الموارد الحيوية من أي طارئ.

وكانت فرق الطوارئ قد أظهرت كفاءة عالية في التعامل مع الحريق، بمشاركة واسعة شملت شركة أكاكوس وفرق السلامة والدفاع المدني وهيئة السلامة الوطنية وجهاز حرس المنشآت النفطية، إلى جانب عدد من الشركات العاملة في القطاع.

هذا التنسيق يعكس نموذجاً للعمل المشترك في ظل ظروف تشغيلية معقدة، ويمثل عاملاً مطمئناً للمستثمرين والشركاء الدوليين.

آفاق المستقبل بين الاستقرار الإنتاجي والمخاطر الجيوسياسية

يبقى قطاع النفط الليبي في مرحلة دقيقة، إذ يسعى إلى الحفاظ على معدلات الإنتاج الحالية التي تتجاوز المليون برميل يومياً، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات متعددة على صعيد الاستقرار السياسي والحفاظ على البنية التحتية.

وعودة الشرارة بكامل طاقتها تمثل رسالة طمأنة للأسواق العالمية بأن ليبيا قادرة على تجاوز العقبات الفنية السريعة.

لكن النظرة المستقبلية تظل مرتهنة بتطورات المشهد الجيوسياسي الأوسع. ففي الوقت الذي يضيف فيه النفط الليبي ما يقارب أربعمائة ألف برميل يومياً إلى الإمدادات العالمية، تبقى الأسواق تحت رحمة التوترات في الخليج وأي تطور محتمل في ملف العقوبات أو العمليات العسكرية التي تهدد مضيق هرمز، شريان الطاقة الأكثر حساسية في العالم.

وهذا المشهد المتشابك يجعل من الصعب التنبؤ بمسار الأسعار، حيث تتصارع العوامل الفنية المتعلقة بالعرض والطلب مع المخاطر الجيوسياسية التي تظل العامل الأقوى تأثيراً في التقلبات اليومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى