حين تتحول “الحمراء” إلى عملة صعبة: تشريح أزمة الطماطم في ليبيا وانعكاساتها على شرعية الدولة ومائدة المواطن
بين جشع التكلفة وقسوة المناخ تتبخر أحلام الحمراء
ليبيا 24:
الطماطم تختبر تماسك الدولة الليبية وسقف المطبخ المتهاوي
في مشهد يعكس بجلاء عمق التشوهات الهيكلية التي تعصف بالاقتصاد الليبي، لم تعد أزمة الطماطم مجرد حديث موسمي عن غلاء الخضروات، بل تحولت إلى مرآة عاكسة لفشل السياسات العامة، واختبار حقيقي لمدى صمود النسيج الاجتماعي في وجه شبح الجوع الخفي.
من أزقة مدينة زمزم إلى أسواق باب بن غشير في طرابلس، ومن صوبات بنغازي المدمرة بفعل الرياح إلى واحات جالو التي نضب إنتاجها، بات صندوق الطماطم “الشمسي” سلعة استراتيجية يلهث وراءها الليبيون كما يلهثون وراء توفير الخبز والدواء.
لقد وصل السعر في ذروة الأزمة إلى ما يقارب مائة وتسعين ديناراً للصندوق في مناطق عدة، وهو رقم يتجاوز منطق العرض والطلب التقليدي ليستقر في خانة “الكارثة الاجتماعية” التي تستدعي تدخلاً عاجلاً يتجاوز بيانات الشجب والاستنكار.
هذا التحقيق، الذي يستند إلى معطيات ميدانية وآراء جمهور ومختصين، لا يهدف فقط إلى تفسير لماذا اختفت الطماطم أو طار سعرها، بل يسعى إلى تفكيك بنية الأزمة التي تتشابك فيها خيوط المناخ القاسي، وحسابات الربح والخسارة في جيوب المزارعين المنهكين، وغياب الرؤية التنظيمية لأجهزة الدولة التي تجد نفسها عاجزة عن حماية “صحن السلطة”.
1. حساب التكلفة المدمر: لماذا هجر الفلاح عروس الموائد؟
تكشف المعطيات الميدانية المستقاة من تجمعات المزارعين في الغرب الليبي أن السبب الجذري للأزمة الحالية ليس مجرد موجة صقيع عابرة، بل هو قرار زراعي جماعي ومتعمد اتخذه منتجو الخضروات خلال الموسم الماضي. السؤال الذي يتردد في الأوساط الفلاحية الآن: “أين الطماطم؟” يقابله جواب مرير: “لقد غرسنا الفلفل والخيار هرباً من الخسائر”.
بحسب آراء الجمهور المتداولة، والتي يرصدها تقرير ليبيا 24، فإن معادلة الإنتاج الزراعي في ليبيا أصبحت معادلة مستحيلة بالنسبة للمحاصيل الأساسية.
يقول أحد المزارعين في تصريح لاذع لكنه صادق: “الطماطم في الخمس سنوات الماضية ما خدمتش. كانت رخيصة بتكلفة إنتاج مرتفعة.
لماذا أزرع طماطم وأحرق فلوسي؟ السنة هذه، حتى اللي عنده خمسون صوبة زراعية خصص منها خمساً وأربعين للفلفل الحار والحلو والخيار. الطماطم صارت في حكم المنقرض تجارياً”.
ولفهم هذا المنطق، يجب الغوص في أرقام التكلفة الخيالية التي يواجهها من يجرؤ على زراعة الطماطم داخل البيوت المحمية “الصوبات”.
يشير المزارعون إلى أن أسطوانة تعقيم التربة، وهي إجراء لا غنى عنه لضمان عدم إصابة الشتلات بالأمراض الفطرية، كانت تباع قبل الأحداث الأخيرة بنحو ستمائة دينار ليبي.
أما اليوم، وبسبب تعقيدات الاستيراد ومنع دخولها عبر القنوات الشرعية إلا بشق الأنفس، قفز سعرها في السوق الموازية إلى ما يقارب خمسة وعشرين ألف دينار للأسطوانة الواحدة، إنها تكلفة فلكية تجعل زراعة الطماطم مغامرة غير محسوبة العواقب حتى قبل وضع البذرة في التربة.
ويضيف المزارعون بمرارة أن قنطار السماد الكيماوي، الذي كان يكلف خمسة عشر ديناراً فقط من مستودعات وزارة الزراعة في السابق، يباع اليوم بأكثر من ثمانمائة وخمسين ديناراً في السوق السوداء عند توفره أصلاً.
وإذا أضفنا إلى ذلك أسعار المبيدات الحشرية والفطرية التي بلغت عنان السماء، ندرك أن تكلفة إنتاج الكيلوغرام الواحد من الطماطم في الصوبة تفوق بكثير أي سعر يمكن أن يتحمله المستهلك الليبي.
والنتيجة الطبيعية لهذه المعادلة هي تحول المزارعين، وهم تجار في المقام الأول، إلى زراعة محاصيل ذات هامش ربح أعلى مثل الفلفل والخيار التي تتحمل ظروف التخزين والنقل أفضل وتكاليف إنتاجها النسبية أقل.
2. كارثة المناخ والجغرافيا: دانيال والرياح القاصفة وخرائط الإنتاج المفقودة
لم تقف الأزمة عند حدود حسابات الربح والخسارة في الغرب الليبي، بل تدخلت العوامل الطبيعية بقسوة لتكمل فصول المأساة.
توضح آراء الخبراء الزراعيين أن الإنتاج الليبي من الطماطم يتبع خريطة موسمية دقيقة تشبه عقارب الساعة: في الشتاء، تعتمد البلاد بشكل شبه كلي على إنتاج الصوبات في مناطق الساحل، بينما يبدأ إنتاج الحقول المفتوحة في الجبل الأخضر بداية من شهر مايو ويمتد حتى نوفمبر، ثم ينتقل الموسم إلى مناطق جالو وأوجلة في الجنوب الشرقي خلال فترة الذروة الشتوية من ديسمبر وحتى مارس.
لكن هذه الخريطة تعرضت لزلزالين متتاليين: الأول هو إعصار دانيال الذي ضرب شرق البلاد وأغرق حقولاً كاملة ودمر بنية تحتية زراعية هشة أصلاً.
والثاني هو العواصف القوية التي هبت مؤخراً على منطقة بنغازي ودمرت عشرات الصوبات الزراعية في وقت كانت فيه هذه الصوبات في ذروة إنتاجها.
ويضاف إلى ذلك تقارير تتحدث عن تضرر العروتين الأولى والثانية في جالو وأوجلة، وهما الرئة التي تتنفس منها الأسواق الليبية في هذه الفترة بالذات من العام.
وبذلك، نجد أنفسنا أمام سيناريو مرعب: توقف شبه تام لإنتاج الشرق والجنوب الشرقي بسبب الكوارث الطبيعية، وتوقف طوعي في إنتاج الغرب بسبب العزوف التجاري عن زراعة الطماطم. الفجوة بين العرض والطلب تحولت إلى هوة سحيقة.
ووسط هذه الفوضى، يخرج صوت من الشرق الليبي محذراً ومشفقاً في آن واحد على لسان أحد المتابعين: “طماطم طرابلس تمشي لتونس ومالطا يا عرب، بيننا شهر وتقف جميع مدن ليبيا على إنتاج الجبل الأخضر اللي حيبدا من شهر 5.
يعني شطارة اللي تديرو فيها يا تجار ومزارعين طرابلس.. ليبيا كلها حتاخد من برقة طماطم لمدة ستة شهور. احترموا نفسكم ودزوا بضاعتكم لبنغازي وبطلوا شيطنة”.
هذا التصريح يلخص صراعاً خفياً حول لوجستيات الغذاء وتوزيع الثروة الزراعية بين الأقاليم الليبية، وهو صراع يعمق الجراح ولا يقدم حلاً.
3. تشريح الندرة: بين “غولة” المستهلك و”شطارة” التاجر
في غياب الإنتاج المحلي الكافي، تصبح السوق مسرحاً لمسرحية مأساوية أبطالها تجار الجملة والتجزئة. لم يعد الأمر مجرد عرض وطلب، بل تحول إلى ما يشبه المزاد العلني على لقمة العيش.
في مدينة الزاوية، بلغ سعر صندوق الطماطم “الشمسي القابية” ما يقارب مائة وتسعين ديناراً، بينما استقر سعر الكيلوغرام الواحد في أسواق التجزئة عند عشرة دنانير في أحسن الأحوال.
وفي أجدابيا وزنزم، تكرر المشهد نفسه، مما خلق شعوراً بالإحباط والقهر لدى المواطن الذي يرى “الطماطم” تتحول من مكون أساسي يومي إلى سلعة كمالية لا تقدر عليها إلا جيوب الميسورين.
وتعكس تعليقات الجمهور حالة من السخرية المرة التي تغلف الغضب الشعبي. يقول أحد المواطنين مستخدماً كناية شعبية عن الأسعار الخيالية: “الغولة بين الحقيقة والخيال ههههه”.
ويربط آخر بين اختفاء الطماطم وفساد الطبقة السياسية قائلاً: “في طماطم متوفر.. عند النواب والرئاسي والحكومتين. الشعب مش شاقي بيه.. حد خلاص”.
هذا التعليق بالذات خطير في دلالاته، فهو يعكس فقداناً للثقة في قدرة النخبة الحاكمة على استشعار معاناة الناس، بل ويتهمها ضمناً بالاستئثار بالخيرات أو العيش في فقاعة منفصلة عن الواقع المرير.
أما التعليق الذي يقول: “إذا أردنا أن نعرف أسباب أزمة الطماطم، يجب علينا أن نعرف أسباب أزمة الخيار”، فهو إسقاط سياسي بامتياز.
إنه يختزل الأزمة في فشل عام لإدارة الدولة، حيث أن غياب الشفافية والتخطيط هو نفسه الذي يضرب سوق الخيار وسوق الطماطم وسوق السياسة على حد سواء.
وفي خضم هذا الغضب، يعلن بعض المواطنين مقاطعة استهلاكية ساخرة: “قررت نقاطع الكتابة على فوائد الطماطم.. لين تكمل حرب إيران وإسرائيل! مش معقولة نكتب فوائدها وهي أصلاً داخلة في قائمة الأحلام بسبب الغلا”.
4. فوضى الرقابة: من يُسعر السلعة؟ الحرس البلدي أم وزارة الاقتصاد؟
في خضم هذه الفوضى، يبرز سؤال جوهري حول دور الدولة التنظيمي والرقابي هل من صلاحيات جهاز الحرس البلدي تسعير الطماطم وإجبار التجار على البيع بسعر أربعة دنانير كما يتردد في بعض المنشورات؟ يكشف التحليل القانوني المستند إلى آراء قانونية متداولة بين الجمهور، أن هناك خلطاً كبيراً في الاختصاصات.
وفقاً للقانون رقم 13 لسنة 1989 وتعديلاته، والقانون رقم 23 لسنة 2010 الخاص بالحكم المحلي، فإن جهة الاختصاص الأصيلة في وضع تسعيرة السلع الأساسية والاستراتيجية هي وزارة الاقتصاد بالتنسيق مع مكاتبها في البلديات.
هذه السلع تشمل الزيت والحبوب والسكر والطماطم المعلبة (المعجون)، أما الطماطم الطازجة فعادة ما تخضع لآلية السوق الحرة.
يأتي دور جهاز الحرس البلدي ومكاتب حماية المستهلك كجهة تنفيذية ورقابية بحتة بموجب القانون رقم 1 لسنة 2016. دورهم يقتصر على مراقبة الغش التجاري، والتأكد من سلامة الميزان، وضبط المخالفين للتسعيرة الرسمية إذا صدرت عن الجهة المختصة.
بمعنى آخر، الحرس البلدي ليس جهة تشريع أو تسعير، بل هو الذراع التنفيذي للدولة لضبط الإيقاع في السوق. وأي محاولة من أفراد الحرس البلدي لوضع سعر إجباري غير مدروس بقرار من وزارة الاقتصاد تُعتبر تجاوزاً للصلاحيات، وقد تؤدي إلى نتائج عكسية مثل إخفاء التجار للسلعة بالكامل أو بيعها في السوق السوداء.
هذا التداخل في الاختصاصات وغياب الدور الفاعل لوزارة الاقتصاد في وضع سياسة زراعية واضحة هو ما جعل المواطن يتخبط بين سندان جشع بعض التجار ومطرقة عجز أجهزة الدولة.
5. استراتيجيات مقترحة لتجاوز الأزمة: أكثر من مجرد دعم
إن تجاوز أزمة الطماطم لا يمكن أن يكون بحلول ترقيعية أو بحملات أمنية على الباعة المتجولين، إنه يتطلب تدخلاً سيادياً عاجلاً من أجهزة الدولة يتجاوز حدود وزارة الزراعة ليشمل وزارة الاقتصاد والمصرف المركزي.
أولاً، تفعيل صندوق موازنة الأسعار بشكل عاجل ومؤقت. يمكن للدولة شراء كميات من الطماطم من الخارج عبر منافذ محددة (حتى مع تبعات سعر الصرف) وضخها في الأسواق بسعر التكلفة لكسر حدة الاحتكار والمضاربة.
هذا الإجراء، وإن كان مكلفاً وله تبعات على احتياطي العملة الصعبة، إلا أنه أقل تكلفة من انفجار اجتماعي قد ينجم عن فقدان الأمن الغذائي.
ثانياً، توفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مدعومة للموسم القادم، الحل الجذري يكمن في إعادة الفلاح الليبي إلى أرضه وإقناعه بزراعة الطماطم. كيف؟ يجب على الدولة توفير أسطوانات التعقيم والأسمدة والمبيدات عن طريق نظام المخصصات السعرية أو الإعانة المباشرة، بحيث تعود تكلفة إنتاج الصوبة الواحدة إلى المستوى الذي يجعل زراعة الطماطم مجدية اقتصادياً. ويجب أن يكون هذا الدعم مشروطاً بزراعة مساحات محددة من الطماطم لضمان وفرة الإنتاج في الموسم المقبل.
ثالثاً، إعادة هيكلة منظومة التوزيع الجغرافي، التعليق القادم من الشرق الليبي حول ذهاب طماطم طرابلس إلى تونس ومالطا يطرح علامة استفهام حول سيادة الغذاء.
يجب أن تكون الأولوية لتغذية السوق المحلي أولاً يمكن لوزارة الاقتصاد فرض رسوم تصدير مؤقتة على الطماطم الطازجة خلال فترات الندرة لتوجيه الكميات المنتجة إلى داخل البلاد بدلاً من عبورها للحدود بحثاً عن العملة الصعبة.
رابعاً، دعم الزراعة في الحقول المفتوحة كحل موازٍ. بالتوازي مع دعم الصوبات، يجب تشجيع الزراعة التقليدية في مناطق الجبل الأخضر وجنوب البلاد عبر توفير البذور المحسنة وتقنيات الري الحديثة، للاستفادة من الميزة النسبية لهذه المناطق في إنتاج طماطم ذات جودة عالية خلال فصلي الصيف والخريف.
6. الخاتمة: أزمة الطماطم كفرصة للإصلاح
في النهاية، تبقى أزمة الطماطم في ليبيا درساً بليغاً في إدارة الأزمات. إنها تظهر كيف أن تقاطع الفساد الإداري في توزيع الدعم، والانهيار المناخي، وسوء التقدير الاقتصادي للمزارعين، يمكن أن يهدد إحدى أبسط مقومات الحياة اليومية.
إن استقرار سعر الطماطم ليس رفاهية، بل هو مؤشر حقيقي على قدرة الدولة على حماية مواطنيها من تقلبات الأسواق العشوائية.
وبينما يلهج المواطن بالدعاء “نسأل الله أن يفرجها على البلاد والعباد”، فإن السماء لا تمطر طماطم، الفرج الحقيقي لن يأتي إلا عندما تتحول سياسات وزارة الزراعة من دعم “الخبز” فقط إلى دعم “المائدة” بكل مكوناتها، وعندما يدرك صناع القرار أن اختفاء الطماطم من الأسواق هو مقدمة لاختفاء السلم الاجتماعي.
إنها دعوة عاجلة لإعادة رسم خريطة الأمن الغذائي الليبي قبل أن تصبح كل الخضروات مجرد “أحلام” بعيدة المنال.



