أزمة السيولة في ليبيا.. نقص الأموال أم اختلال هيكلي في توزيعها؟
تجميد السيولة داخل المركزي يفاقم أزمة المصارف

تشير البيانات الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي إلى أن أزمة نقص السيولة التي تعاني منها المصارف التجارية في ليبيا لا ترتبط بندرة في إجمالي العرض النقدي، بل تعود إلى اختلال هيكلي في مكونات القاعدة النقدية.
البنك المركزي يحتجز نصف ودائع المصارف كودائع إضافية
يتمثل هذا الاختلال في سوء توزيع السيولة بين الجمهور، والمصارف التجارية، والبنك المركزي، مما أدى إلى ضعف فعلي في النقد المتاح داخل النظام المصرفي، رغم بقاء القاعدة النقدية الإجمالية عند مستويات شبه ثابتة.
منذ عام تقريبًا، لوحظ تراجع مستمر في نسبة العملة المتداولة إلى إجمالي احتياطيات المصارف لدى البنك المركزي (R/C)، حيث انخفضت هذه النسبة من مستويات تجاوزت 1.0 إلى ما دون 0.5 خلال فترة قصيرة. ويُعد هذا الانخفاض مؤشرًا واضحًا على ازدياد حجم السيولة المجمدة داخل البنك المركزي مقابل تراجع النقد المتداول في السوق، وهو ما قيد بشكل مباشر قدرة المصارف على تلبية احتياجات الجمهور والشركات من النقد.
أزمة النقد في ليبيا.. عرض موجود ولكن بلا توزيع
وقد تزامن هذا التراجع مع مجموعة من الإجراءات التي ساهمت في تفاقم الأزمة، من أبرزها رفع نسبة الاحتياطي القانوني من 20% إلى 32%، ما أجبر المصارف على الاحتفاظ بجزء أكبر من ودائعها لدى البنك المركزي. بالإضافة إلى ذلك، تم فرض ودائع إضافية إلزامية لدى المركزي، وصلت نسبتها إلى نحو 50% من إجمالي ودائع المصارف. هذه السياسات أدت إلى تجميد جزء كبير من السيولة داخل البنك المركزي، مما قلّص من الموارد النقدية المتاحة داخل النظام المصرفي.
وعلى مستوى العملة المتداولة، قامت السلطات النقدية بسحب كميات كبيرة من الفئات النقدية القديمة، حيث تم سحب عملة بقيمة 20 مليار دينار، مقابل إصدار عملة بديلة بقيمة لا تتجاوز 14 مليار دينار. هذا الفرق أدى إلى انخفاض فعلي في القاعدة النقدية بمقدار 6 مليارات دينار .
كل هذه التطورات تعكس بوضوح أن السبب الرئيسي لأزمة السيولة في ليبيا ليس نقص الأموال، بل خلل في طريقة توزيعها. فالسيولة الفعلية المتاحة للجمهور والمصارف تقلصت بسبب تراكم الاحتياطيات لدى البنك المركزي، وتراجع حجم النقد المتداول، وعدم التوازن بين عمليات سحب العملة وضخها من جديد.
وبرأي الخبراء فان المعالجة الفعلية لهذه الأزمة تتطلب إعادة هيكلة واضحة لمكونات القاعدة النقدية، وضبط نسب الاحتياطي القانوني والإضافي بما يضمن توفير سيولة كافية داخل النظام المصرفي، دون المساس باستقرار النظام النقدي. كما أن تحسين إدارة عمليات سحب وإصدار العملة بشكل متوازن، وتعزيز الثقة في القطاع المصرفي، يمثلان خطوات ضرورية لاستعادة الاستقرار المالي، ورفع كفاءة السياسة النقدية في البلاد.



