ليبيا تتصدر إفريقيا بأرخص أسعار الوقود بفضل الدعم الحكومي
تقرير: الوقود شبه مجاني في ليبيا رغم الكلفة الباهظة
ليبيا 24
ليبيا تتصدر القارة بأرخص وقود… إنجاز اقتصادي أم عبء مالي؟
تقرير دولي يسلط الضوء على مفارقة الأسعار المدعومة وأثرها على الاقتصاد الوطني
تربعت ليبيا على قمة ترتيب الدول الإفريقية من حيث انخفاض أسعار الوقود خلال شهر أكتوبر الجاري، وفقًا لتقرير حديث صادر عن موقع «بيزنس إنسايدر إفريقيا» المتخصص في الشؤون الاقتصادية والتنموية في القارة السمراء.
التقرير وضع ليبيا في صدارة القائمة بسعر لا يتجاوز 0.03 دولار للّتر الواحد، وهو الأدنى على الإطلاق ليس فقط في إفريقيا، بل من بين الأدنى عالميًا.
هذا الرقم اللافت يعبّر عن واقع اقتصادي خاص بليبيا، إذ تحافظ الدولة على سياسة دعم حكومي واسع لقطاع المحروقات منذ عقود، لتبقى أسعار البنزين والديزل شبه مجانية للمواطنين، في وقت تعاني فيه قطاعات أخرى من ضغوط مالية متزايدة.
دعم حكومي سخي… وتحديات مالية متصاعدة
بحسب التقرير، يعود الفضل في هذا السعر الرمزي إلى الدعم الحكومي السخي الذي تتحمّله خزينة الدولة الليبية سنويًا.
ويهدف هذا الدعم إلى تخفيف أعباء المعيشة عن المواطنين، في ظل تقلبات أسعار السلع والخدمات وارتفاع تكاليف الحياة، لكنه في الوقت نفسه يمثل عبئًا ماليًا ضخمًا على الموازنة العامة، يُقدّر بمليارات الدولارات سنويًا.
ويشير محللون اقتصاديون إلى أن هذا النهج، وإن كان يحقق استقرارًا اجتماعياً مؤقتًا، إلا أنه يضعف قدرة الحكومة على الاستثمار في قطاعات إنتاجية وتنموية، مثل الصناعة والزراعة والبنية التحتية، ما يجعل الدعم المفرط للوقود بمثابة «سلاح ذي حدين».
كما أن استمرار هذا الدعم في ظل تقلب الإيرادات النفطية وتراجع معدلات الإنتاج في بعض الحقول يشكل خطرًا على الاستدامة المالية للدولة، خاصة في ظل غياب إصلاحات اقتصادية جذرية تنظم آليات الدعم وتوجهه نحو الفئات الأكثر احتياجًا.
ترتيب الدول الإفريقية: الجزائر تلي ليبيا… ومصر في المرتبة الرابعة
أوضح تقرير «بيزنس إنسايدر إفريقيا» أن الجزائر جاءت في المرتبة الثانية ضمن القائمة، بسعر 0.34 دولار للّتر الواحد، مستفيدة من وفرة احتياطاتها من النفط والغاز وسياسة تسعير مدعومة.
أما نيجيريا، أكبر منتج للنفط في القارة، فجاءت في المرتبة الثالثة بسعر 0.47 دولار للّتر، رغم تقليص الدعم خلال السنوات الأخيرة ضمن جهود الحكومة لترشيد الإنفاق العام.
في حين احتلت مصر المرتبة الرابعة بمتوسط سعر 0.52 دولار للّتر الواحد، تبعتها السودان في المركز الخامس بسعر 0.61 دولار. هذه الأسعار تعكس، بحسب التقرير، التوازن الدقيق بين رغبة الحكومات في تخفيف الضغوط المعيشية والحاجة إلى ضبط الموازنات في ظل أوضاع اقتصادية متقلبة.
عوامل مؤثرة: الإنتاج المحلي وقيمة العملة ومستوى الدعم
وأشار التقرير إلى أن تفاوت أسعار الوقود في إفريقيا يعتمد بشكل رئيسي على ثلاثة عوامل مترابطة:
1. حجم الإنتاج المحلي من النفط، إذ تميل الدول المنتجة إلى تسعير محلي منخفض بفضل وفرة الإمدادات.
2. مستوى الدعم الحكومي، الذي يحدد مدى تدخل الدولة في إبقاء الأسعار دون المستويات السوقية.
3. قوة العملة المحلية مقابل الدولار الأمريكي، حيث يؤدي تراجع قيمة العملات إلى ارتفاع الأسعار محليًا، رغم انخفاضها بالدولار.
وأضاف التقرير أن تراجع قيمة العملات الإفريقية أمام الدولار في عدد من الدول ساهم في جعل الأسعار المقومة بالدولار تبدو منخفضة، رغم ارتفاعها الفعلي بالنسبة للمواطنين داخل تلك الدول.
بين العدالة الاجتماعية والاستدامة الاقتصادية
يرى خبراء أن دعم الوقود في ليبيا، رغم فوائده الاجتماعية، لا يمكن فصله عن المعادلة الاقتصادية الأكبر التي تواجه البلاد.
فبينما يستفيد المواطن من انخفاض تكاليف النقل والسلع، تواجه الدولة تحديًا متزايدًا في تمويل مشروعات التنمية والبنية التحتية نتيجة تآكل الإيرادات العامة.
كما يؤدي الدعم غير الموجّه إلى اختلالات في سوق الطاقة، أبرزها تهريب الوقود إلى دول الجوار حيث الأسعار أعلى بعشرات الأضعاف.
هذا التهريب لا يقتصر على الخسائر المالية المباشرة، بل يمتد ليؤثر على الأمن الوطني ويزيد من نشاط شبكات السوق السوداء.
ويشير بعض الاقتصاديين إلى ضرورة اعتماد سياسة إصلاح تدريجي للدعم، بحيث يتم تحويل جزء منه إلى دعم نقدي مباشر للفئات محدودة الدخل، مع استثمار الوفر المالي في مشروعات تنويع الاقتصاد الوطني وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل.
القارة الإفريقية الأرخص عالمياً رغم التفاوت الداخلي
وبحسب «بيزنس إنسايدر إفريقيا»، تظل القارة الإفريقية بشكل عام من أرخص مناطق العالم في أسعار الوقود مقارنة بأوروبا وأمريكا الشمالية، حيث يتجاوز سعر اللتر هناك ما بين 1.7 و2 دولار في بعض الدول.
إلا أن التفاوت بين الدول الإفريقية نفسها واضح، إذ تتراوح الأسعار في أنغولا وتشاد وجنوب السودان وتونس وغانا بين 0.63 و0.95 دولار للّتر الواحد. ويعكس هذا التباين اختلاف حجم الدعم، ومستوى الإنتاج النفطي، والسياسات الاقتصادية المعتمدة في كل بلد.
انعكاسات الأسعار المنخفضة على الاقتصاد والمواطن
رغم أن انخفاض أسعار الوقود يسهم في تقليل تكاليف النقل والإنتاج، وبالتالي في خفض معدلات التضخم، إلا أن استمرارها على هذا النحو لفترة طويلة قد يؤدي إلى تشوهات هيكلية في الاقتصاد، حيث تصبح الطاقة الرخيصة حافزًا لاستهلاك مفرط وهدر في الموارد.
كما أن بقاء الأسعار عند مستويات متدنية لا يشجع على تبني سياسات الطاقة البديلة أو الاستثمار في قطاعات مستدامة مثل الطاقة الشمسية والرياح، ما يحد من تنوع مصادر الدخل الوطني.
في المقابل، يرى مواطنون أن استمرار دعم الوقود يمثل «خط الدفاع الأخير» في مواجهة تراجع الدخول وارتفاع أسعار السلع الأساسية، خصوصًا في ظل تقلبات السوق وغياب فرص العمل المستقرة.
بين السياسة والاقتصاد: وقود الاستقرار الاجتماعي
تحظى مسألة دعم الوقود في ليبيا بحساسية سياسية واجتماعية كبيرة، إذ يُنظر إليها على أنها رمز من رموز العدالة الاقتصادية ومكسب شعبي يصعب المساس به. ولذلك تتردد الحكومات المتعاقبة في اتخاذ أي خطوة لرفع الدعم أو تعديله خشية ردود الفعل الشعبية.
ويرى مراقبون أن الإصلاح الحقيقي لا يكمن في الإلغاء الفوري للدعم، بل في إعادة هيكلته بطريقة عادلة وفعالة، تضمن استمرار استفادة محدودي الدخل، مع منع التهريب والهدر وتحسين كفاءة الإنفاق العام.
معادلة دقيقة بين رفاهية المواطن واستقرار الاقتصاد
يخلص تقرير «بيزنس إنسايدر إفريقيا» إلى أن انخفاض أسعار الوقود في ليبيا يمثل معادلة اقتصادية دقيقة، تجمع بين تحقيق الرفاهية للمواطن وتحمّل الدولة لأعباء مالية كبيرة. وفي حين يسهم الدعم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي، إلا أن استمراره دون إصلاح يهدد توازن الاقتصاد الوطني على المدى البعيد.
وبينما تحتفي ليبيا بتربعها على رأس قائمة الدول الإفريقية الأرخص وقودًا، تظل التحديات قائمة بشأن كيفية تحويل هذا الامتياز إلى فرصة اقتصادية مستدامة تعزز الإنتاج وتدعم التنمية، لا عبئًا متزايدًا على خزينة الدولة.



