ليبيا

أزمة سيولة متجددة… والليبيون يواجهون مشقة يومية لسحب مبالغ بالكاد تغطي احتياجاتهم

“حرق المرتبات”… واقع مرير يدفع المواطنين لدفع عمولات للحصول على رواتبهم

تعود أزمة السيولة النقدية في ليبيا لتفرض نفسها بقوة على المشهد العام، مع تكرار طوابير الانتظار الطويلة أمام المصارف في مدن الغرب والشرق على حد سواء، من طرابلس إلى أجدابيا.
يقف المواطنون منذ ساعات الفجر أملاً في الحصول على مبالغ محدودة بالكاد تكفي حاجاتهم اليومية، بينما تواصل بعض المصارف إعلان نفاد السيولة قبل انتهاء الدوام. هذه المشاهد التي توثّقها مواقع التواصل الاجتماعي، تعكس حجم الاحتقان الشعبي في بلد يعيش انقساماً سياسياً عميقاً لم تفلح سلطاته في إيجاد حلول مستدامة لأزماته المالية.

في طرابلس وأجدابيا… المصارف تعلن نفاد السيولة قبل منتصف اليوم

اضطر موظفون حكوميون في طرابلس إلى اللجوء لمكاتب الصرافة لتسييل رواتبهم مقابل عمولات مرتفعة، في ظاهرة تُعرف بـ“حرق المرتبات”، وهي ممارسة باتت واقعاً مريراً يحمّل المواطن تكاليف إضافية وسط انهيار الثقة في المنظومة المصرفية.

وفي أجدابيا، لا يختلف الوضع كثيراً، إذ تشكو الإدارات المحلية من شحّ السيولة وتقطّع وصولها، بينما تحدد المصارف سقفاً لا يتجاوز ألف دينار شهرياً عبر أجهزة السحب الذاتي، ما يزيد من ازدحام المواطنين وغضبهم.

اتهامات لمصرف ليبيا المركزي بسوء الإدارة وغياب حلول حقيقية للأزمة

تتعالى الانتقادات الموجّهة لمصرف ليبيا المركزي، وسط اتهامات له بـسوء الإدارة وغياب الخطط الواضحة لعلاج الأزمة .. النائب محمد عامر العباني يرى أن الحل لن يأتي دون إعادة هيكلة شاملة لإدارة المصرف وإقالة المحافظ ناجي عيسى وعدد من المسؤولين الذين ـ بحسب تعبيره ـ فشلوا في تخفيف معاناة المواطنين.
بينما يعتبر النائب عبد السلام نصية أن المصرف أصبح جزءاً من المشهد السياسي المأزوم، محذّراً من أن غياب الحوكمة يُعرقل ضبط الإنفاق وتوحيد السياسة النقدية، ومؤكداً أن ليبيا لا ينقصها الحلول بقدر ما ينقصها القرار السياسي.

سحب فئات نقدية بقيمة 40 مليار دينار من السوق… والنقد الجديد يصل ببطء

وتعود جذور الأزمة إلى قرار سحب أكثر من أربعين مليار دينار من الفئات النقدية القديمة خلال الأشهر الماضية، مقابل التعاقد على طباعة ستين ملياراً جديدة لتعويضها، إلا أن ما وصل فعلياً إلى المصارف لم يتجاوز خمسة وعشرين ملياراً حتى الآن، مع توقعات بوصول دفعات إضافية قبل نهاية العام، فيما سيكتمل توريد المتبقي في العام 2026، الأمر الذي يطيل من عمر الأزمة ويفاقم آثارها.

وتتداخل عوامل أخرى في تعميق المشكلة، أبرزها تكديس الأموال في المنازل بسبب فقدان الثقة في المصارف، ما يقلل من حجم النقد المتداول داخل الجهاز المصرفي ويحد من قدرته على توفير السيولة.

المواطن الليبي… هو الحلقة الأضعف في أزمة لم تجد طريقها للحل

أمّا المواطن الليبي، فهو الطرف الأكثر تضرراً من أزمة السيولة. يقف لساعات طويلة في طوابير مرهقة، ويدفع عمولات للحصول على راتبه، ويتحمل كلفة معيشية أعلى في ظل ارتفاع الأسعار واعتماد الأسواق على النقد الورقي. ومع تراجع الثقة في المصارف، يتزايد لجوء الناس إلى الادخار في البيوت، ما يعمّق الدورة السلبية ويزيد من صعوبة استعادة الاستقرار المالي.

ورغم تأكيدات محافظ المصرف المركزي بأن المصرف يواصل دعم المصارف التجارية وتزويدها بالسيولة اللازمة لتلبية احتياجات المواطنين، تبقى هذه الوعود محطّ شك واسع، خاصة في ظل غياب حلول ملموسة على الأرض. وبين تأخر توريد العملة الجديدة وضعف الأدوات النقدية وغياب التنسيق بين السلطات، تستمر الأزمة في الدوران داخل حلقة مغلقة لا يكسرها إلا إصلاح اقتصادي شامل يعيد الثقة للمواطن ويمنحه حقه البسيط في الوصول إلى أمواله دون طوابير أو معاناة.

وفي بلد يبحث سكانه عن أوراق نقدية تغطي احتياجاتهم اليومية، تبدو طوابير المصارف أكثر من مجرد مشهد عابر، بل عنواناً لأزمة مستمرة تضرب مؤسسات الدولة وتضع المواطن في قلب المعاناة، منتظراً حلاً يعيد للنظام المصرفي هيبته ولحياته بعض الطمأنينة المفقودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى