
في خطوة جديدة ضمن محاولات الأمم المتحدة لإحياء العملية السياسية في ليبيا، أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم عن إطلاق مسار “الحوار المهيكل” بمشاركة نحو 120 مواطناً ليبياً، في إطار سعيها إلى توسيع قاعدة المشاركة وتعزيز الشمولية بعد سنوات من الحوارات التي لم تنجح في إنتاج توافق مستدام أو سلطة شرعية منتخبة.
بدأت البعثة إرسال الدعوات إلى المشاركين المحتملين بعد تلقي أكثر من 1000 طلب من ليبيات وليبيين أعربوا عن رغبتهم في الانضمام، مع اعتماد آلية ترشيح عبر البلديات والجامعات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والنساء والشباب والمدافعين عن حقوق الإنسان، وفق معايير تشمل عدم التورط في فساد أو انتهاكات، وامتلاك خبرة في ملفات الحكم والاقتصاد والأمن وحقوق الإنسان، إضافة إلى تمثيل جغرافي وثقافي وسياسي متوازن، ونسبة 35% من النساء، وتمثيل واضح لذوي الإعاقة.
وتحاول البعثة تقديم هذا المسار باعتباره مختلفاً عن المسارات السابقة، من خلال إشراك فئات أوسع عبر استطلاعات رأي عامة، ومنصات رقمية للشباب، وتجمعات نسائية، واجتماعات حضورية وافتراضية، والاستعانة بخبراء ليبيين كميسّرين، بهدف منح العملية قدراً أكبر من الشرعية والمشاركة الشعبية.
وتؤكد البعثة أن الحوار المهيكل لا يهدف إلى اختيار حكومة جديدة، بل إلى صياغة توصيات سياسية وتشريعية تتناول ملفات الحكم والاقتصاد والأمن، وتساعد في تهيئة بيئة مناسبة لإجراء انتخابات قابلة للتنفيذ. إلا أن هذا الطرح يثير سؤالاً جوهرياً حول مدى الحاجة إلى توصيات جديدة، في حين أن واقع الأزمة الليبية معروف ومكامن الخلل مكشوفة منذ سنوات.
ها هي مبادرة المشير خليفة حفتر التي تدعو إلى حل ليبي–ليبي، محاولة وطنية واضحة للخروج من دائرة الحوارات المتكررة والوسطات الفاشلة. فقد أثبتت التجارب السابقة أن الحلول الخارجية أو المسارات الأممية، رغم طولها وتعددها، لم تحقق أي استقرار دائم، ولم تلمس جذور الأزمة الحقيقية.
المواطنون الليبيون باتوا مقتنعين بأن الحل يجب أن يكون ليبياً خالصاً، وأن أي عملية سياسية ناجحة تحتاج إلى إرادة وطنية قوية، تتجاوز المصالح الفئوية والتدخلات الخارجية. ورغم وضوح هذه المبادرة، يبدو أن البعثة الأممية لا تزال مترددة في تبني أي مسار محلي ناجح، بينما تواصل تدوير الحوارات الشكلية التي لم تغير من الواقع شيئاً.
إن المبادرة تمثل فرصة حقيقية لكسر الحلقة المفرغة، ولكن نجاحها مرهون بإرادة ليبية صادقة، وبقدرة الأطراف على وضع مصلحة الوطن فوق أي اعتبارات أخرى، لتكون بداية حقيقية نحو استقرار دائم وحل سياسي متوافق عليه داخلياً.
نعتقد أن هذه الحوارات، مهما اختلفت تسمياتها أو شكلها، ليست إلا إطالة للأزمة وذرّ رماد في العيون. فهي تلبي رغبات بعض الدول في إبقاء المشهد الليبي متأزمًا، بدلاً من تمكين الليبيين من الوصول إلى حل وطني حقيقي. لذلك، يبدو أن التركيز الحقيقي يجب أن يكون على الإعداد لانتخابات رئاسية وبرلمانية، مع التعامل الجدي مع أهم العوائق التي تقف أمامها. وفي مقدمتها الأسلحة خارج شرعية الدولة والفوضى المزمنة، والتي تتفاقم يومياً في المنطقة الغربية، إلى جانب استمرار المحاصصات التي تهدف لإرضاء جميع الأطراف على حساب إنهاء الأزمة وإيجاد الحل النهائي.
إن أي مسار حقيقي نحو الاستقرار لا يمكن أن يقوم إلا على تحرير الدولة من سطوة السلاح، وضمان سيادة القانون، وإنهاء المحاصصات، بحيث يصبح المواطن الليبي في قلب العملية السياسية، وليس مجرد متفرج على حوارات بلا نتائج.
وبعد أكثر من عقد من المسارات الأممية، يبرز سؤال لم يعد من الممكن التخفيف من حدّته: لماذا فشلت جميع البعثات في الاستفادة من تجاربها السابقة؟ وكيف يمكن أن تتكرر الأخطاء نفسها كل مرة وكأن الأزمة تُناقش لأول مرة؟ إن فشل البعثة في إنتاج خارطة طريق قابلة للتنفيذ، أو في التعامل بجدية مع موازين القوى على الأرض، يشير إلى خلل منهجي في فهم وإدارة الملف الليبي داخل المؤسسة الدولية نفسها.
ويتعمق هذا الشك عندما تظهر النتائج الهشة التي تخرج بها المسارات الأممية، والتي تنهار سريعاً عند أول اختبار، ما يطرح تساؤلاً حول ما إذا كانت الأمم المتحدة فعلاً تسعى إلى حل الأزمة أم تكتفي بإدارةها بشكل مستمر. كما أن الكثير من الليبيين باتوا يرون البعثة رهينة صريحة لإرادات الدول الكبرى المتنافسة على النفوذ داخل ليبيا، وهو ما يجعل أي مسار أممي محدود القدرة ومقيّداً بسقف خارجي لا يمكن تجاوزه.
وهكذا، بدلاً من أن تكون الأمم المتحدة جسراً نحو الاستقرار، تحوّلت إلى جزء من المشكلة، وإلى آلية لإطالة عمر الأزمة عبر تدوير الحوارات وتغيير العناوين دون وجود مسار فعلي للحل. ويظل السؤال قائماً: هل يستطيع الحوار المهيكل تجاوز هذه الإخفاقات، أم سيكون مجرد حلقة جديدة في سلسلة مبادرات لا تُحدث أثراً؟
إن نجاح الحوار المهيكل يتوقف على قدرة البعثة على كسر النهج القديم، والاعتراف بإخفاقات الماضي، والتعامل بواقعية مع التوازنات داخل ليبيا، إلى جانب وجود إرادة ليبية صادقة تضع مصلحة الدولة فوق المصالح المتضاربة. فالحلول ليست غائبة، وما تحتاجه ليبيا فعلاً هو القرار والشجاعة السياسية لاستعادة مسار الاستقرار وبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.



