لأول مرة منذ ألف عام .. بريطانيا لم تعد دولة بأغلبية مسيحية مع صعود اللادينية والإسلام
انخفاض نسبة المسيحيين إلى 46.2% فقط من السكان

شهدت المملكة المتحدة خلال العقد الماضي تحولًا دينيًا عميقًا، كشف عنه آخر تعداد رسمي للسكان، وأكد أن البلاد لم تعد ذات أغلبية مسيحية للمرة الأولى منذ نحو ألف عام.
فقد أظهرت بيانات التعداد لعام 2011 أن المسيحيين كانوا يمثلون 59% فقط من سكان إنجلترا وويلز، أي نحو 33.2 مليون شخص، في انخفاض واضح مقارنة بالسنوات السابقة.. ورغم الصدمة التي أثارتها تلك الأرقام آنذاك، فإن المؤسسات الدينية اعتبرت التراجع تحديًا مؤقتًا يمكن تجاوزه.
غير أن التعداد الجديد لعام 2021 جاء ليؤكد أن هذا التحدي لم يتحقق؛ إذ انخفضت نسبة المسيحيين إلى 46.2% فقط من السكان، وهو تراجع كبير يبرز تغيرًا جوهريًا في الخريطة الدينية للبلاد.
تراجع المسيحية وصعود اللادينية
تشير الإحصاءات إلى أن متوسط عمر المسيحيين في المملكة المتحدة بات الأعلى تاريخيًا، إذ بلغ 51 عامًا، مما يعكس شيخوخة القاعدة المسيحية، مقابل عزوف لافت لدى الشباب، لا سيما من هم دون الأربعين، إذ تزداد نسبة من يصفون أنفسهم بغير المتدينين أو اللادينيين.
وبالفعل، ارتفعت نسبة اللادينيين من 25% في 2011 إلى 37.2% في 2021، أي ما يعادل 22.2 مليون شخص، وهو النمو الأكثر سرعة وتأثيرًا في المشهد الديني البريطاني.
أما الإسلام، فقد شهد ارتفاعًا مهمًا، إذ ازداد عدد المسلمين من 4.9% إلى 6.5% من السكان خلال عقد واحد، بزيادة بلغت 1.2 مليون مسلم. كما سجلت بعض الديانات الأخرى زيادات طفيفة مثل الهندوسية والسيخية، بينما بقيت ديانات مثل اليهودية ذات نمو محدود.
وجهات النظر حول أسباب الانحسار المسيحي
تذهب تفسيرات عديدة إلى أن تراجع المسيحية لم يكن مرتبطًا بالهجرة كما تدّعي بعض الخطابات اليمينية المتطرفة، بل يرجع بشكل أساسي إلى توسع اللادينية.
وتوضح تحليلات أكاديمية أن الأجيال المسيحية التي خرجت من الدين في الستينيات والسبعينيات لم تنقل الممارسات الدينية إلى أبنائها، ما أدى إلى تقلص طبيعي في عدد المتدينين مع مرور الوقت، إلى جانب وفاة الجيل الأكبر سنًا.
ويُضاف إلى ذلك أن المهاجرين أنفسهم لا ينتمون بالضرورة لديانات غير مسيحية، فكثير منهم قادمون من دول أفريقية ذات أغلبية مسيحية.
ردود الفعل والجدل السياسي
أثارت نتائج التعداد موجة من النقاش حول مكانة المسيحية في الحياة السياسية البريطانية، خصوصًا وأن النظام السياسي في بريطانيا ما زال يحتفظ بدين رسمي للدولة، وتجلس فيه شخصيات دينية في الغرفة العليا للبرلمان، بينما يمتلك الجهاز الكنسي ثروة ضخمة ومساحات واسعة من الأراضي.
وتشير آراء أكاديمية إلى أن هذا الوجود المؤسسي الواسع للكنيسة لم يعد يعكس واقع المجتمع الذي لم تعد فيه المسيحية أغلبية مطلقة. ويرى بعض المنتقدين أن استمرار منح امتيازات سياسية وتشريعية لمؤسسة دينية واحدة لم يعد ملائمًا في ظل تحولات المجتمع.
من جهة أخرى، ترى أصوات فكرية أن بريطانيا، حتى وإن لم تعد دولة ذات أغلبية مسيحية، فإن التراث المسيحي ما زال حاضرًا بعمق في ثقافتها السياسية والدستورية، وفي قوانينها وتقاليدها الاجتماعية. وتؤكد هذه الآراء أن القيم والرموز المسيحية صارت جزءًا من الهوية البريطانية الحديثة، وليس مجرد انعكاس للانتماء الديني السكاني.
الإسلام وصعود خطاب “الاستبدال العظيم”
مع الزيادة الملحوظة في أعداد المسلمين، استغلت بعض الجماعات المتطرفة هذه الأرقام لإحياء سرديات مؤامرات مثل “الاستبدال العظيم”، رغم أن البيانات توضح بجلاء أن اللادينية وليس الإسلام هي القوة الأكبر في تغيير المشهد الديني.
وقد أظهرت استطلاعات رأي لاحقة أن نسبة من المواطنين تتبنى هذه النظريات، مما أدى إلى مخاوف من استخدام تلك الخطابات في تأجيج التوترات الاجتماعية.
مستقبل بريطانيا الديني
تظهر التحولات الحالية أن بريطانيا تسير نحو مجتمع أكثر تنوعًا دينيًا، وأقل ارتباطًا بالمسيحية كمعتقد جماعي،لكن الجدل يبقى مفتوحا حول ما إذا كانت البلاد ستظل دولة ذات هوية مسيحية ثقافيًا، حتى لو لم يعد المسيحيون يمثلون الأغلبية.
كما يلوح في الأفق سؤال أكبر: هل تتجه بريطانيا نحو تحديث علاقتها بالدين بما يعكس واقعا جديدا؟ أم ستبقى محافظة على النظام الحالي الذي يمنح الكنيسة مكانة خاصة في المشهدين السياسي والاجتماعي؟



