عقيلة صالح: أي اتفاق حول الحدود البحرية يجب أن يكون عبر الحكومة الليبية
البرلمان يؤكد شرعيته الحصرية في إقرار الاتفاقيات البحرية الدولية
ليبيا 24
طرح رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح رؤية شاملة وواضحة حول مستقبل ترسيم الحدود البحرية لليبيا في شرق البحر المتوسط، مؤكدًا أن هذا الملف السيادي لا يمكن التعامل معه بمنطق الأمر الواقع أو التفاهمات المنفردة، وأن مجلس النواب هو الجهة الدستورية الوحيدة المخولة بإقرار الاتفاقيات الدولية، وفقًا للإعلان الدستوري والتشريعات النافذة. وشدد على أن أي اتفاقية لا تمر عبر البرلمان ولا تحظى بمصادقته تعد منعدمة الأثر القانوني، مهما طال الزمن أو تبدلت الظروف السياسية.
وأوضح المستشار عقيلة صالح أن الاتفاقية البحرية التي وقعتها حكومة فايز السراج مع تركيا لم تُعرض على مجلس النواب، كما أن تلك الحكومة لم تنل ثقة السلطة التشريعية، الأمر الذي يفقدها الأهلية القانونية لتوقيع معاهدة دولية بهذا الحجم والخطورة. وأكد أن الشرعية ليست مسألة شكلية، بل جوهر دستوري يحدد من يملك حق الالتزام باسم الدولة الليبية، مضيفًا أن ما يُبنى على باطل يظل باطلًا، حتى وإن حاول البعض فرضه كأمر واقع.
وأشار رئيس مجلس النواب إلى أن ليبيا تقف اليوم أمام فرصة جديدة لإعادة صياغة موقعها البحري ضمن إطار تفاوضي أوسع وأكثر توازنًا، يشمل دولًا محورية في شرق المتوسط مثل مصر واليونان وتركيا. واعتبر أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة تفاهمات وحوار، لا صدامات أو اصطفافات حادة، مع التأكيد على أن السيادة الليبية على مياهها الإقليمية تمثل خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه أو التنازل عنه تحت أي ظرف.
وفي معرض حديثه عن ردود الفعل الدولية، أوضح المستشار عقيلة صالح أن المواقف انقسمت منذ توقيع الاتفاقية إلى نوعين: دول تدرك عدم شرعية الاتفاق من الأساس، وأخرى تعاملت معه كأمر واقع بدوافع سياسية. لكنه شدد على أن الحقيقة القانونية ثابتة، وهي أن أي اتفاقية لم تمر عبر البرلمان لا تُلزم الدولة الليبية. وأضاف أن الحكومات تتغير والسياسات تتبدل، بينما تبقى الشرعية الدستورية مرجعًا لا يسقط بالتقادم.
وتطرق صالح إلى مواقف بعض الدول المعنية، مشيرًا إلى أن اليونان تعاملت في البداية بحدة لأنها رأت في الاتفاق مساسًا بمصالحها، لكنها اليوم تبدي استعدادًا للحوار. كما أكد أن موقف مصر كان واضحًا منذ البداية، إذ اعتبرت أن الاتفاق لا يحقق الاستقرار في المنطقة. وحتى تركيا، بحسب قوله، أبدت استعدادها للدخول في تفاوض شامل مع ليبيا، ما يعكس تحوّلًا دوليًا نحو منطق الحوار.
وأكد المستشار عقيلة صالح أنه لا يعارض مبدأ التوصل إلى اتفاق مع تركيا أو غيرها، لكن ذلك يجب أن يتم وفق مسار مؤسسي واضح، يبدأ بدراسة فنية معمقة يقدمها الخبراء، ثم تُحال النتائج إلى الحكومة الشرعية المعتمدة، قبل عرض أي اتفاقية على مجلس النواب لإقرارها. ولفت إلى أن هذا المسار لا يمكن أن يكتمل دون حصر دقيق للحدود البحرية الليبية وضمان عدم الاعتداء عليها من أي دولة مجاورة.
وسلط صالح الضوء على الإشكاليات الفنية المرتبطة بالطرح اليوناني، موضحًا أن اليونان تعتبر جزيرة كريت معيارًا لتحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة، ما يمنحها امتدادًا بحريًا غير متوازن على حساب ليبيا. وأكد أن هذه الجزيرة قريبة جدًا من السواحل الليبية، ولا يمكن أن تمنح اليونان مساحات بحرية واسعة، مشيرًا إلى أن القانون الدولي لا يدعم مثل هذه التوسعات، وأن الترسيم يجب أن ينطلق من السواحل الأصلية للدول لا من الجزر،
وأضاف أن أي اتفاق يجب أن يكون عبر الحكومة الشرعية وهي المنبثقة عن مجلس النواب، وعلى الدول المعنية الجلوس معها على طاولة المفاوضات، لتقديم أي اتفاقية في شكلها النهائي إلى مجلس النواب للمصادقة عليها وفقا للسياق الدستوري.
وبيّن أن هذا الملف تقني معقد، ولا يجوز اختزاله في تصريحات سياسية أو مزايدات إعلامية، كاشفًا عن تكليف لجنة خبراء مختصة لإعداد تقرير شامل يغطي الجوانب الفنية والقانونية والجيوسياسية المتعلقة بترسيم الحدود مع جميع الدول المعنية. وأضاف أن أي حوار يجب أن يتم مع الحكومة المنبثقة عن مجلس النواب، وأن يُعرض الاتفاق النهائي على البرلمان للمصادقة عليه علنًا ووفق السياق الدستوري.
واختتم المستشار عقيلة صالح بالتأكيد على أن الاتفاقية السابقة تسببت في ارتباك داخلي وأزمة إقليمية، وأدخلت ليبيا في صراعات لا تخدم مصالحها. لكنه شدد في الوقت نفسه على إمكانية تحويل الأزمة إلى فرصة، مستفيدين من الموقع الاستراتيجي لليبيا كشريك مهم في أي ترتيبات بحرية مستقبلية، شرط التحدث بصوت واحد والتفاوض وفق مصلحة وطنية خالصة. وأكد أن البرلمان سيكون الضامن التشريعي لحماية حقوق الليبيين، وأن السيادة الوطنية ليست محل تفاوض أو مساومة.



