ليبيا

إدريس احميد يكتب: دعوة تونس لدور ثلاثي مصري–جزائري لحل الأزمة الليبية

دعوة تونس لدور ثلاثي مصري–جزائري لحل الأزمة الليبية

ليبيا 24

تشهد ليبيا منذ عام 2011 أزمة مركّبة، لم تعد محصورة في صراع داخلي فحسب، بل تحوّلت إلى ملف دولي وإقليمي معقّد بفعل التدخلات الأجنبية وتباين المصالح. وعلى مدار أكثر من عقد، فشلت المبادرات السياسية في إنهاء الأزمة أو اختصار زمنها، وسط غياب حل وطني جامع يعيد للدولة الليبية وحدتها وسيادتها.

تدويل الأزمة وفشل المبادرات
منذ بداية التدخل الأجنبي عام 2011، دخل الملف الليبي مرحلة التدويل، ما قيّد أي مسار داخلي للحل. وجاء فشل المبادرات الأولى متأثرًا بأحداث الربيع العربي، حيث انشغلت تونس بتداعيات ثورتها، ومصر بأحداث يناير 2011، فيما تابعت الجزائر بحذر انعكاسات ما جرى في دول الجوار على أمنها الداخلي. كما ساهم دعم بعض الدول العربية لما حدث في ليبيا، إلى جانب الدور المحدود للجامعة العربية، في تعقيد المشهد وإطالة أمد الأزمة.

تونس: من ملاذ إنساني إلى منصة حوار
رغم عدم استقرار أوضاعها الداخلية بعد الثورة، استقبلت تونس آلاف الليبيين الذين لجؤوا إليها، ولعبت دورًا إنسانيًا مهمًا في واحدة من أكثر مراحل الأزمة صعوبة. ومع تحسّن أوضاعها تدريجيًا، تحوّلت تونس إلى ساحة للحوار الليبي، واستضافت لقاءات متعددة بين الفرقاء، وزارها عدد من القيادات الليبية، في إطار مساعٍ متكررة لدفع الحل السياسي، وتأكيد أن الحوار يبقى السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة.

مصر: انخراط مباشر ودور محوري
تُعدّ مصر من أكثر الدول تأثرًا بالأزمة الليبية، بحكم الجوار الجغرافي والحدود الطويلة، والروابط التاريخية والاجتماعية بين البلدين. فمنذ اندلاع الأزمة، استقبلت القاهرة أعدادًا كبيرة من الليبيين، وتعاملت مع الملف الليبي باعتباره قضية أمن قومي.
لعبت مصر دورًا بارزًا في محطات مفصلية، أبرزها مساهمتها في إنهاء الحرب عام 2019، عبر تحركات سياسية ودبلوماسية هدفت إلى منع انزلاق ليبيا إلى صراع إقليمي أوسع. كما احتضنت لقاءات جمعت أطرافًا ليبية مختلفة، ودعمت مسار توحيد المؤسسات، وضرورة إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية تفضي إلى سلطة موحدة وشرعية.
وتتمتع القاهرة بعلاقات مع أطراف ليبية متعددة، ما منح دورها قبولًا إقليميًا ودوليًا، وجعلها فاعلًا أساسيًا في أي مسار يسعى إلى حل واقعي ومستدام.

الجزائر: انحياز سياسي لحكومة طرابلس وتقدير محدود لدور الجيش الليبي
رغم الخطاب الجزائري المعلن عن الحياد ورفض التدخلات الخارجية، إلا أن الممارسة السياسية أظهرت دعمًا واضحًا لحكومة طرابلس، التي تفرض سيطرتها عبر تشكيلات مسلحة في غرب ليبيا. هذا التناقض بين الخطاب والممارسة أضعف صورة الجزائر كوسيط محايد.
كما أنه كان على الجزائر تقدير الدور الذي قامت به القيادة العامة للجيش الليبي في السيطرة على مساحات واسعة من الحدود، وهو دور أسهم فعليًا في الحد من التهديدات العابرة للحدود، وكان يستحق الاعتراف السياسي بما يعكس واقعية الأزمة.

فرصة لمبادرة إقليمية جديدة
في ظل فشل المسار الأممي في اختصار زمن الأزمة، تبرز فرصة أمام تونس ومصر والجزائر لإطلاق مبادرة إقليمية جديدة تجمع الأطراف الليبية مباشرة، وتعيد الملف إلى محيطه الطبيعي. ويمكن أن تتوسع هذه المبادرة لتشمل الدول المغاربية والاتحاد الإفريقي، مع دعم من الأطراف الدولية، بما يمنحها شرعية أوسع وفرص نجاح أكبر.
نجاح مثل هذه المبادرة يظل مرهونًا بقدرتها على التعامل الواقعي مع موازين القوى داخل ليبيا، والابتعاد عن الانتقائية السياسية، ودعم مسار يقود إلى انتخابات ومؤسسات موحدة، بعيدًا عن هيمنة السلاح والتدخلات الخارجية.
تبقى الأزمة الليبية اختبارًا حقيقيًا لدور دول الجوار، بين من يسعى إلى حل واقعي يستند إلى الأمن والاستقرار، ومن يكتفي بخطاب سياسي لا يواكب تعقيدات الميدان. وبين فشل المسار الدولي وتعثّر المبادرات السابقة، قد تمثل المبادرة الإقليمية الموسّعة فرصة أخيرة لإخراج ليبيا من حالة الانقسام، إذا ما كُتبت لها مقاربة متوازنة وشجاعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى