رياضة

مواليد أوروبا يهيمنون على قوائم منتخبات كأس إفريقيا بالمغرب

الشتات الكروي يعيد تشكيل خريطة المنتخبات الإفريقية القارية

كأس إفريقيا في المغرب: حين تتقاطع الجغرافيا مع الهوية الكروية

تدخل بطولة كأس الأمم الإفريقية المقامة في المغرب مرحلة لافتة من تاريخها، ليس فقط على مستوى المنافسة داخل المستطيل الأخضر، بل من حيث البنية البشرية للمنتخبات المشاركة. إذ تكشف قوائم الفرق الـ24 عن ظاهرة آخذة في الاتساع: نسبة معتبرة من اللاعبين وُلدوا خارج القارة السمراء، ونشأوا كرويًا في أوروبا وأمريكا الشمالية، قبل أن يعودوا لتمثيل منتخبات أصولهم في البطولة القارية الأبرز.

أرقام تعكس تحوّلًا بنيويًا

تشير البيانات المتداولة إلى أن قرابة 30% من لاعبي البطولة الحالية وُلدوا خارج إفريقيا. ومن بين 664 لاعبًا مسجّلين في قوائم المنتخبات، هناك 191 لاعبًا رأوا النور في أوروبا، بنسبة تقارب 28.8%. هذه الأرقام لا تعبّر عن حالة عابرة، بل عن مسار طويل من الهجرة والاستقرار والاندماج الرياضي، ثم إعادة الاتصال بالجذور عبر قميص المنتخب الوطني.

منتخبات “الصناعة المحلية”: استثناء يؤكد القاعدة

وسط هذا المشهد، تبرز ثلاثة منتخبات فقط تعتمد بصورة كاملة تقريبًا على لاعبين مولودين داخل حدودها: مصر وبوتسوانا وجنوب إفريقيا. هذه المنتخبات تمثل نموذج “الصناعة المحلية”، حيث تتكفّل الأكاديميات الوطنية والمسابقات الداخلية بتغذية المنتخبات بالمواهب، في مقابل دول أخرى باتت تعتمد بدرجات متفاوتة على رافد الشتات.

جزر القمر: نموذج صارخ لاعتماد المهاجرين

يُعد منتخب جزر القمر من أكثر الأمثلة وضوحًا على هذه الظاهرة. الفريق الذي خاض مباراة الافتتاح أمام المغرب، وخسر بهدفين دون رد، ضم في قائمته 26 لاعبًا، وُلد معظمهم في أوروبا، باستثناء لاعب واحد فقط. ورغم حداثة التجربة القارية لجزر القمر، فإن هذا الاعتماد مكّن المنتخب من المنافسة وبلوغ مستويات لم تكن متاحة سابقًا بإمكاناته المحلية المحدودة.

المغرب: مزيج الهوية والاحتراف الأوروبي

المنتخب المغربي، مستضيف البطولة، يأتي ضمن قائمة أكثر خمسة منتخبات إفريقية يضم لاعبين مولودين خارج القارة. أغلب عناصر “أسود الأطلس” وُلدوا في دول أوروبية مثل فرنسا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا، وتكوّنوا داخل مدارس كروية عالية المستوى. هذا المزيج بين الانتماء الوطني والتكوين الاحترافي الأوروبي منح المغرب قوة تنافسية واضحة، انعكست في نتائجه القارية والعالمية خلال السنوات الأخيرة.

الجزائر والكونغو وغينيا الاستوائية: استراتيجية ممتدة

لا يقتصر الاعتماد على لاعبي الشتات على المغرب وحده. فالجزائر، على سبيل المثال، تشارك في نسخة 2025 بقائمة تضم 16 لاعبًا وُلدوا خارج البلاد، معظمهم في فرنسا، إضافة إلى أسماء نشأت في بلجيكا وألمانيا وهولندا. وتعتمد الكونغو الديمقراطية وغينيا الاستوائية نهجًا مشابهًا، حيث باتت أوروبا خزانًا رئيسيًا للمواهب المؤهلة لتمثيل هذه المنتخبات.

غينيا الاستوائية وإرث الاستعمار

حالة غينيا الاستوائية تحمل بعدًا تاريخيًا إضافيًا، إذ إن 19 لاعبًا من أصل 28 في قائمتها وُلدوا في إسبانيا، القوة الاستعمارية السابقة. هذا الارتباط اللغوي والثقافي سهّل عملية الدمج، وأتاح للاتحاد المحلي استقطاب لاعبين نشأوا في بيئة كروية أكثر تطورًا، ما انعكس على الحضور المتزايد للمنتخب في البطولات القارية.

السنغال: نصف الفريق من أوروبا

حتى المنتخبات ذات القاعدة المحلية القوية، مثل السنغال، لم تكن بمنأى عن هذا الاتجاه. فنحو نصف لاعبي “أسود التيرانغا” جاءوا من أوروبا، ما يبرز أن المسألة لم تعد بديلًا اضطراريًا، بل خيارًا استراتيجيًا لتعزيز الجودة والتنافسية.

الكشّافون… العيون الإفريقية في الملاعب الأوروبية

تعتمد عدة اتحادات إفريقية، وعلى رأسها المغرب والجزائر، على شبكة واسعة من الكشّافين المقيمين في أوروبا. مهمة هؤلاء لا تقتصر على متابعة اللاعبين المحترفين فحسب، بل تمتد إلى الفئات السنية، لضمان استقطاب المواهب مبكرًا ودمجها تدريجيًا في المنتخبات الوطنية، وصولًا إلى الفريق الأول.

لوائح “فيفا” وتغيير قواعد اللعبة

لم تكن هذه الظاهرة لتبلغ مداها الحالي لولا التعديلات التي أقرها الاتحاد الدولي لكرة القدم قبل نحو 20 عامًا. فقد سمحت القواعد للاعبين الذين مثّلوا دولة ما في الفئات العمرية بتغيير ولائهم الدولي إذا كانوا يحملون جنسية مزدوجة. وتوسّعت هذه القواعد لاحقًا لتشمل حتى بعض حالات التمثيل على مستوى المنتخب الأول، وهو ما فتح الباب أمام خيارات جديدة للاعبين والمنتخبات على حد سواء.

من إنجلترا إلى كوت ديفوار: قصة زاها

يُعد ويلفريد زاها مثالًا بارزًا على مرونة القوانين الجديدة. فبعد مشاركته في مباراتين دوليتين مع منتخب إنجلترا، قرر تمثيل كوت ديفوار، البلد الذي ينحدر منه، ليصبح أحد نجوم المنتخب الإيفواري في البطولة الحالية. هذه القصة تختصر مسارًا شائعًا للاعبين وجدوا فرصتهم الدولية مع منتخبات أصولهم.

تنوّع جغرافي يتجاوز أوروبا

لا تقتصر أماكن الميلاد على أوروبا وحدها. فالنسخة الحالية من كأس إفريقيا تشهد مشاركة لاعبين وُلدوا في بريطانيا وإيطاليا والنرويج والبرتغال والسويد، إضافة إلى أمريكا الشمالية. حارس مرمى المغرب ياسين بونو وُلد في كندا، فيما وُلد لاعب الوسط السوداني عمار طيفور في الولايات المتحدة، ما يعكس اتساع رقعة الشتات الإفريقي.

تثير هذه الظاهرة نقاشًا متجددًا حول مفهوم الهوية الكروية. فبينما يرى البعض أن الاعتماد على لاعبين وُلدوا خارج الوطن ينتقص من “محلية” المنتخبات، يؤكد آخرون أن الانتماء لا يُقاس بمكان الميلاد، بل بالالتزام والرغبة في تمثيل القميص الوطني.

مكاسب فنية واضحة

من الناحية الفنية، يصعب تجاهل المكاسب التي حققتها المنتخبات الإفريقية من هذا التوجه. فاللاعبون المتكوّنون في أوروبا يجلبون معهم خبرات تكتيكية واحترافية عالية، ويرفعون من نسق المنافسة داخل الفرق، ما ينعكس إيجابًا على مستوى البطولة ككل.

تحديات مستقبلية

في المقابل، يطرح هذا الواقع تحديات تتعلق بتطوير المسابقات المحلية والأكاديميات الوطنية. إذ تخشى بعض الاتحادات من أن يؤدي الاعتماد المفرط على لاعبي الشتات إلى إهمال الاستثمار في البنية التحتية المحلية، ما قد يخلق فجوة مستدامة بين الداخل والخارج.

بين الضرورة والاستراتيجية

تبدو معظم المنتخبات الإفريقية اليوم أمام معادلة دقيقة: الاستفادة من طاقات الشتات دون التفريط في بناء قاعدة محلية صلبة. النجاح في تحقيق هذا التوازن قد يكون العامل الحاسم في رسم مستقبل الكرة الإفريقية على الصعيدين القاري والدولي.

كأس إفريقيا… مرآة التحولات

في المحصلة، تعكس بطولة كأس الأمم الإفريقية في المغرب تحولات أعمق من مجرد منافسة رياضية. إنها مرآة لهجرة الشعوب، وتداخل الهويات، وتطوّر القوانين، وسعي القارة السمراء إلى تثبيت مكانتها في كرة القدم العالمية، سواء بأقدام أبنائها في الداخل أو بأحلام أبنائها في المهجر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى