ليبيا وحلم إفريقيا الغائب منذ عقود رغم التاريخ
منتخب ليبيا خارج أمم إفريقيا بين الذكريات والانتظار
ليبيا 24
غياب طويل عن المسرح القاري
على امتداد أكثر من ستة عقود، ظل اسم ليبيا حاضرًا على استحياء في سجل بطولة كأس أمم إفريقيا، أعرق المسابقات الكروية في القارة السمراء وأكثرها تأثيرًا على الوجدان الرياضي لشعوبها. فمن بين 35 نسخة أُقيمت حتى اليوم، لم يظهر المنتخب الليبي سوى في ثلاث مناسبات فقط، وهو رقم يختزل قصة طويلة من التعثرات، والطموحات المؤجلة، والفرص التي لم تكتمل. وبين تلك المشاركات القليلة، تظل نسخة عام 1982، التي احتضنتها ليبيا، علامة فارقة في الذاكرة الرياضية الوطنية، لما حملته من آمال عريضة انتهت عند عتبة ضربات الترجيح أمام غانا.
البدايات الإفريقية الصعبة
دخلت ليبيا مبكرًا إلى المنظومة الكروية الإفريقية، شأنها شأن عدد من الدول التي رأت في كرة القدم وسيلة للتمثيل القاري وبناء الهوية الرياضية. غير أن المشاركة الفعلية في كأس أمم إفريقيا ظلت عصية، نتيجة ضعف الاستقرار الإداري، وتفاوت مستويات البنية التحتية، إلى جانب محدودية الاحتكاك الدولي مقارنة بمنتخبات إفريقية صاعدة آنذاك. وبينما كانت منتخبات مثل مصر وغانا والسودان ترسخ حضورها في النسخ الأولى، بقي المنتخب الليبي يصارع في التصفيات دون أن ينجح في كسر الحاجز القاري.
1982.. البطولة التي غيرت كل شيء
حين مُنحت ليبيا شرف تنظيم كأس أمم إفريقيا عام 1982، بدا المشهد مختلفًا. فالدولة المضيفة دخلت البطولة مدفوعة بزخم جماهيري كبير، واستعدادات تنظيمية واسعة، وطموح مشروع لترك بصمة تاريخية. وللمرة الأولى، وجد المنتخب الليبي نفسه في قلب الحدث الإفريقي، لا كمشارك عابر، بل كطرف منافس على أرضه وبين جماهيره.
خاض المنتخب مباريات البطولة بروح عالية، ونجح في الوصول إلى المباراة النهائية، في إنجاز غير مسبوق ظل حتى اليوم الأعلى في تاريخ الكرة الليبية. وفي النهائي أمام غانا، أحد عمالقة القارة، قدم اللاعبون أداءً متوازنًا اتسم بالانضباط التكتيكي والصلابة الدفاعية، لتنتهي المباراة بالتعادل، وتُحسم بركلات الترجيح التي ابتسمت للضيوف، تاركة حسرة كبيرة، لكنها في الوقت ذاته صنعت لحظة فخر وطني نادرة.
ما بعد الاستضافة.. انكسار الزخم
بدل أن تشكل بطولة 1982 نقطة انطلاق دائمة نحو القمة الإفريقية، تحولت، paradoxically، إلى ذروة لم تتكرر. فبعد إسدال الستار على البطولة، عاد المنتخب الليبي إلى دوامة الإخفاقات في التصفيات، وسط تغيرات إدارية متكررة، وغياب مشروع كروي طويل الأمد. ورغم محاولات متفرقة للعودة، ظل التأهل لكأس أمم إفريقيا إنجازًا بعيد المنال.
مشاركتان عابرتان ونتائج محدودة
لم تخلُ مسيرة ليبيا الإفريقية من محاولات أخرى للظهور، إذ شارك المنتخب في نسختين إضافيتين، دون أن ينجح في ترك الأثر نفسه الذي حققه عام 1982. جاءت تلك المشاركات في سياقات مختلفة، لكنها اشتركت في محدودية الطموح، وصعوبة المنافسة أمام منتخبات تمتلك استقرارًا فنيًا وخبرة تراكمية في البطولات الكبرى.
عوامل الغياب المتكرر
يرى متابعون أن غياب ليبيا الطويل عن كأس أمم إفريقيا لا يمكن اختزاله في الجانب الفني وحده. فثمة منظومة معقدة من الأسباب، تتصدرها الاضطرابات الإدارية، وتغير الأجهزة الفنية بصورة متسارعة، وضعف الاستثمار في الفئات السنية. كما لعبت الظروف السياسية والأمنية دورًا مباشرًا في تعطيل المسابقات المحلية، ما أثر على جاهزية اللاعبين، واستمرارية المنافسة.
البنية التحتية وتحدي الاستدامة
رغم امتلاك ليبيا لعدد من الملاعب والمنشآت التي شُيدت أو طُورت في فترات متفرقة، فإن غياب خطة صيانة وتطوير مستدامة جعل الاستفادة منها محدودة. كما أن ضعف الاحتكاك الخارجي، سواء عبر المعسكرات أو المشاركات القارية للأندية، انعكس سلبًا على مستوى المنتخب الأول، الذي وجد نفسه في كل تصفيات أمام منافسين أكثر جاهزية.
الجماهير.. شغف لا ينطفئ
على الرغم من الغياب الطويل، لم يفقد الشارع الرياضي الليبي شغفه بالمنتخب الوطني. فما زالت ذكريات 1982 حاضرة في الوجدان، تُستدعى مع كل تصفيات جديدة، ومع كل جيل من اللاعبين، بوصفها دليلًا على أن الوصول إلى القمة الإفريقية ليس مستحيلًا. هذا الشغف الجماهيري ظل عنصر ضغط ودافع في آن واحد، لكنه يحتاج إلى ترجمة مؤسسية على أرض الواقع.
محاولات إصلاح متعثرة
شهدت السنوات الأخيرة إطلاق مبادرات لإعادة بناء الكرة الليبية، شملت تطوير المسابقات المحلية، والاهتمام بمنتخبات الشباب والناشئين، والاستعانة بخبرات فنية أجنبية. غير أن هذه الجهود غالبًا ما اصطدمت بعوائق التنفيذ، لتبقى النتائج دون مستوى الطموح، ويستمر الغياب عن كأس أمم إفريقيا.
سؤال المستقبل المفتوح
مع اقتراب كل نسخة جديدة من البطولة القارية، يتجدد السؤال ذاته في الأوساط الرياضية الليبية: متى يعود المنتخب إلى أمم إفريقيا؟ سؤال لا يحمل بعد إجابة حاسمة، لكنه يفتح الباب أمام مراجعة شاملة للمسار الكروي، تبدأ من التخطيط طويل الأمد، ولا تنتهي عند نتائج التصفيات.
بين الذاكرة والأمل
تبقى مشاركة ليبيا في ثلاث نسخ فقط من أصل 35 بطولة مفارقة لافتة في تاريخ كرة القدم الإفريقية. فهي قصة منتخب عرف لحظة مجد استثنائية على أرضه، ثم غاب طويلًا عن المشهد. وبين ذكرى النهائي التاريخي عام 1982، وتحديات الحاضر، يظل الأمل معقودًا على أن يتحول السؤال المؤجل إلى واقع جديد، يعيد ليبيا إلى مكانها الطبيعي بين كبار القارة.



