إدريس احميد يكتب: خلافات النواب والدولة… أزمة جديدة في المشهد السياسي الليبي
ليبيا 24
عاد ملف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ليتصدر واجهة المشهد السياسي الليبي، كاشفًا مرة أخرى عمق الانقسام المؤسساتي بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، ومؤكدًا أن الأزمة الليبية ما زالت تراوح مكانها، رغم كل المبادرات والحوارات المحلية والدولية.
ففي جلسته الرسمية رقم (112)، المنعقدة يوم الإثنين 5 يناير 2026 بمقره في طرابلس، أعلن المجلس الأعلى للدولة انتخاب صلاح الدين الكميشي رئيسًا جديدًا لمجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، بعد حصوله على 63 صوتًا في الجولة الثانية من التصويت، مقابل 33 صوتًا لمنافسه العارف التير، من أصل 103 أصوات شاركت في التصويت، وبحضور النصاب القانوني البالغ 109 أعضاء.
ووفق بيان المجلس، خُصصت الجلسة لانتخاب رئيس وثلاثة أعضاء لمجلس المفوضية، استنادًا إلى اتفاق بوزنيقة الموقع بين مجلسي النواب والدولة بشأن شغل المناصب السيادية، إلا أن المجلس قرر تأجيل انتخاب الأعضاء الثلاثة إلى جلسة لاحقة سيتم الإعلان عن موعدها في نهاية الأسبوع الجاري.
جذور الخلاف: بين الاتفاق السياسي والإجراءات الأحادية
يأتي هذا التطور في ظل تصاعد التوتر بين المجلسين، عقب تصويت مجلس النواب خلال جلسة سابقة على استكمال المقاعد الشاغرة في مجلس المفوضية، وهي خطوة اعتبرها رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة إجراءً أحاديًا يخالف الاتفاق السياسي الليبي واتفاق بوزنيقة، اللذين ينصان على التشاور والتوافق بين المجلسين في شغل المناصب السيادية.
في المقابل، برر مجلس النواب خطوته بأنها تأتي انسجامًا مع دعوة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، التي طالبت باستكمال مجلس المفوضية إلى جانب تعديل القوانين الانتخابية، باعتبار ذلك مدخلًا ضروريًا للانتقال إلى مفاوضات تشكيل حكومة جديدة والذهاب إلى الانتخابات.
تصعيد سياسي واتهامات متبادلة
التصعيد لم يتوقف عند حدود الإجراءات، بل امتد إلى خطاب سياسي حاد. إذ اتهم رئيس مجلس النواب عقيلة صالح المجلس الأعلى للدولة بـ«عرقلة المسار السياسي ورفض إنهاء الأزمة»، واعتبر أن حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة «فاقدة للثقة، وتفرض نفوذها على المجلسين الرئاسي والدولة».
كما رأى صالح أن اتفاق بوزنيقة تعثر رغم التنازلات المقدمة، متهمًا تكالة بتعطيل الحوار والتغيب عن اللقاءات الإقليمية، بل وذهب إلى اعتبار أن المجلس الأعلى للدولة «أُنشئ لتعطيل المسيرة الليبية»، على حد تعبيره. في المقابل، دافع عن مفوضية الانتخابات ورئيسها الحالي عماد السايح، مؤكدًا أنها أدت دورها بنجاح، لا سيما في تنظيم الانتخابات البلدية، ولا يوجد مبرر لتغيير قيادتها في هذه المرحلة.
أما في غرب البلاد، فيتمسك المجلس الأعلى للدولة، مدعومًا من المجلس الرئاسي وحكومة «الوحدة»، بضرورة تغيير كامل لمجلس إدارة المفوضية، بما في ذلك رئيسها، لضمان الحياد والتوافق، معتبرين أن ذلك استحقاق نص عليه الاتفاق السياسي واتفاق بوزنيقة، وشرط أساسي لإجراء انتخابات نزيهة وموثوقة.
مفوضية الانتخابات… من مؤسسة مستقلة إلى ساحة صراع
هذا الخلاف يعكس أزمة أعمق من مجرد تباين في التفسيرات القانونية، إذ يهدد بتحويل مفوضية الانتخابات من مؤسسة مستقلة يُعوَّل عليها كمدخل جوهري لحل الأزمة السياسية، إلى ساحة صراع نفوذ بين أطراف متنازعة. وهو سيناريو يعيد إلى الأذهان تجارب الانقسام السابقة التي طالت الحكومات والمؤسسات السيادية، وأضعفت ثقة الشارع الليبي في المسارات السياسية برمتها.
أين البعثة الأممية؟
وفي خضم هذا التصعيد، يبرز تساؤل ملحّ: أين البعثة الأممية للدعم في ليبيا من هذه التطورات؟ وأين دور حواراتها المتكررة التي لطالما قُدمت باعتبارها المسار الأجدى لحل الأزمة الليبية؟ فما يجري اليوم لا يمثل مجرد خلاف سياسي عابر، بل أزمة جديدة تطال مؤسسة كان يُعوَّل عليها لإنجاز الاستحقاق الانتخابي وإنهاء الانسداد السياسي.
إن غياب موقف أممي حازم لحماية حياد واستقلال المفوضية، يفتح الباب أمام ارتهانها لأجندات أطراف تسعى للتحكم في المشهد السياسي وإطالة أمد الأزمة، بدل الدفع نحو حل شامل ومستدام. وفي حال فقدت المفوضية حيادها، فإن الحديث عن انتخابات نزيهة وشاملة سيبقى مجرد شعار، لا أكثر.
أزمة متكررة وحلقة مفقودة
لقد اعتاد الليبيون، خلال سنوات الأزمة، على استمرار الخلافات والانقسامات دون تحرك دولي فعلي لفضّها، وهو ما يؤكد أن الحلقة المفقودة في الأزمة الليبية لم تعد في تشخيصها أو في كثرة المبادرات، بل في سؤال جوهري: من يصنع الحل؟ ففي ظل غياب إرادة دولية واضحة، يقابلها عجز داخلي عن التوافق وتغليب المصلحة الوطنية، تستمر الأطراف في إدارة الأزمة بدل حلها، مستندة إلى توازنات القوة والدعم الخارجي.
في المحصلة، يعكس الخلاف حول مفوضية الانتخابات عمق أزمة الثقة بين المؤسسات الليبية، ويؤكد أن المسار نحو الانتخابات لا يزال محفوفًا بالعراقيل السياسية والمؤسساتية. وبينما تبقى الانتخابات مطلبًا شعبيًا ودوليًا، فإن استمرار هذا النهج ينذر بإطالة أمد الانسداد، ويطرح تساؤلات جدية حول قدرة الطبقة السياسية الحالية، ومعها المجتمع الدولي، على الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعتها للحل.



