وفيات متتالية لمرضى ضمور العضلات تكشف إخفاق حكومة الدبيبة

ليبيا 24
وفيات تعيد الملف إلى الواجهة
أعادت وفاة الطفلة منى المصراتي، البالغة من العمر خمسة عشر عامًا، من مدينة بنغازي، ملف مرضى ضمور العضلات إلى واجهة المشهد العام في ليبيا، وسط تصاعد الغضب الشعبي والحقوقي تجاه حكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية، المتهمة بالتقصير والإهمال الممنهج في التعامل مع أحد أكثر الملفات الإنسانية حساسية.
الطفلة منى، التي كانت تعاني من ضمور العضلات الحزام الطرفي، فارقت الحياة بعد مضاعفات صحية متسارعة، في واقعة لم تأتِ بمعزل عن سياق متكرر من الوفيات، كان آخرها رحيل الطفلة ميرا هويدي قبل أيام قليلة فقط، بعد تأخر تغطية تكاليف علاجها في الخارج.
سلسلة وفيات وأسئلة بلا إجابات
تتابع هذه الوفيات خلال فترة زمنية قصيرة طرح أسئلة ملحّة حول مسؤولية الجهات التنفيذية، وعلى رأسها حكومة الدبيبة وأجهزتها التابعة، وفي مقدمتها وزارة الشؤون الاجتماعية، والهيئة العامة لصندوق التضامن الاجتماعي، وجهاز دعم وتطوير الخدمات العلاجية.
عائلات المرضى تؤكد أن أبناءها لم يموتوا بسبب المرض وحده، بل نتيجة تأخير القرارات، وتعطيل الإيفاد، وغياب الرعاية الصحية المتخصصة، وترك الحالات الحرجة تواجه مصيرها داخل البيوت دون تدخل فعلي.
وعود تتكرر ونتائج غائبة
منذ سنوات، يترقب مرضى ضمور العضلات وذووهم وعودًا رسمية بتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة، بدءًا من العلاج، ومرورًا بالتأهيل، وانتهاءً بالمساعدات المنزلية والكراسي الكهربائية والرافعات.
صندوق التضامن الاجتماعي كان قد تعهّد بتوفير معدات طبية بجودة عالية مع بداية ديسمبر 2025، على أن تصل قبل منتصف يناير 2026، إلا أن انتهاء المهلة الزمنية دون نتائج ملموسة أعاد الشكوك حول جدية هذه الوعود، التي يرى كثيرون أنها لا تغادر حدود البيانات والتصريحات.
بيوت مثقلة بالألم
داخل منازل ليبية صغيرة، تعيش عائلات يضم سقفها الواحد ثلاثة أو أربعة، وأحيانًا خمسة أو ستة مرضى من ضمور العضلات. أجساد عاجزة عن الحركة، وأطفال لا يستطيعون الأكل أو تبديل ملابسهم أو دخول الحمام دون مساعدة كاملة، وأمهات وآباء يُستنزفون جسديًا ونفسيًا على مدار الساعة.
هذه البيوت، التي يفترض أن تحظى بأولوية قصوى في سياسات الرعاية الاجتماعية، تُركت وحدها في مواجهة العجز والفقر، دون تهيئة مناسبة للمنازل، أو أسرّة طبية، أو فرق تمريض، أو دعم نفسي واجتماعي.
وزارة بلا أثر
يطرح ذوو المرضى تساؤلًا مباشرًا: أين وزارة الشؤون الاجتماعية؟ فبحسب شهاداتهم، تحوّلت الوزارة إلى اسم بلا أثر، ومؤسسة بلا دور فعلي، في وقت يتطلب فيه ملف ضمور العضلات تدخلًا عاجلًا ومنظمًا، قائمًا على خطط واضحة، وموازنات مخصصة، ومتابعة دقيقة للحالات.
غياب التنسيق بين الوزارة وصندوق التضامن الاجتماعي وبقية الأجهزة المعنية عمّق الأزمة، وجعل المرضى عالقين بين مكاتب إدارية، وإجراءات مطوّلة، وتبريرات لا تنتهي.
الإيفاد والعلاج… الزمن عدو المرضى
يُعد عامل الزمن حاسمًا في أمراض ضمور العضلات، خصوصًا لدى الأطفال، حيث يعني أي تأخير تدهورًا سريعًا قد يصل إلى الوفاة. ورغم ذلك، لا تزال عشرات الحالات مدرجة في قوائم انتظار الإيفاد للعلاج بالخارج منذ أكثر من عامين.
جهاز دعم وتطوير الخدمات العلاجية يواجه اتهامات مباشرة بالتهرب من الظهور الإعلامي، ورفض توضيح أسباب تعطيل إيفاد الأطفال لتلقي الحقن الجينية والعلاجات المتقدمة، وهو ما تعتبره العائلات إهمالًا جسيمًا لا يمكن تبريره إداريًا.
وفيات كان يمكن تفاديها
رحيل الطفلة ميرا، ثم منى، حوّل الاتهامات إلى تحميل مسؤولية صريحة. فالعائلات تؤكد أن الحالتين كانتا معروفتين لدى الجهات المعنية، وأن التدخل في الوقت المناسب كان كفيلًا بإنقاذ حياتيهما.
من هذا المنطلق، يرى نشطاء حقوقيون أن أي وفاة جديدة نتيجة التأخير أو التسويف تُعد مسؤولية مباشرة للجهات التنفيذية، وفي مقدمتها حكومة الدبيبة، التي فشلت في إدارة هذا الملف الإنساني رغم توفر الموارد المالية المعلنة.
أموال معتمدة وحقوق محتجزة
تقارير ديوان المحاسبة زادت من حدة الجدل، بعدما وثّقت أوجه صرف وُصفت بأنها تفتقر للعدالة والضوابط، مقابل حرمان ذوي الإعاقة من حقوق أساسية، مثل الإعانة المنزلية المحتجزة منذ عام 2018 دون صرف أو توضيح.
في المقابل، تتحدث التقارير عن اعتماد مليارات وصرف ملايين في أنشطة ومشتريات إدارية، بينما لا يجد المريض معاشًا يكفي احتياجات أسبوع، ولا علاجًا، ولا تجهيزات أساسية تحفظ كرامته.
احتجاجات مرتقبة وغضب متصاعد
أمام هذا الواقع، أعلنت روابط وجمعيات مرضى ضمور العضلات عن تنظيم وقفات احتجاجية متتالية، معتبرة أن الصمت الرسمي ساهم في فقدان أرواح بريئة.
هذه التحركات لا تطالب بامتيازات، بل بحق الحياة والعلاج والرعاية، وتحمل شعارًا واضحًا: العلاج ليس رفاهية، بل حق يُنتزع.
مطالب بالمحاسبة والتحقيق
يطالب المرضى وذووهم بفتح تحقيقات عاجلة وشفافة، وإحالة كل من يثبت تقصيره أو تسببه في تعطيل العلاج إلى المساءلة القانونية، مؤكدين أن استمرار الإفلات من العقاب يشجع على تكرار الإهمال.
كما يدعون إلى كشف علني لأوجه صرف أموال صندوق التضامن الاجتماعي، وإعادة توجيهها نحو هدفها الوحيد: خدمة ذوي الإعاقة، لا استنزاف حقوقهم.
مسؤولية سياسية وأخلاقية
في المحصلة، لم يعد ملف ضمور العضلات مجرد قضية صحية، بل تحول إلى اختبار حقيقي لمدى التزام حكومة الدبيبة المنتهية الولاية بمسؤولياتها الإنسانية والأخلاقية.
ومع كل وفاة جديدة، تتسع دائرة الغضب، ويتعزز الإحساس بأن المرضى تُركوا وحدهم في مواجهة المرض، بينما اكتفت السلطات بالصمت، أو بالوعود المؤجلة، في وقت لا يحتمل فيه هؤلاء الأطفال أي تأخير إضافي.



