تحديات التأسيس الرشيد: كيف تتجاوز الأكاديمية الوطنية للتعليم التقني للدراسات العليا فخاخ البدايات؟
ليبيا 24:
د. فرج خليل سالم :
في لحظات التأسيس الأولى، لا تُقاس قيمة المؤسسات بحداثة قرارات إنشائها، ولا ببريق عناوينها، بل بسلامة البوصلة التي تُوجّهها منذ اليوم الأول.
فالبدايات، مهما بدت واعدة، قد تكون أخطر المراحل إن لم تُضبط برؤية واضحة، ومنهج صارم، وإرادة لا تساوم على المعايير.
وفي هذا السياق، يأتي تولّي السيد الدكتور ناصر سليمان العقوري رئاسة الأكاديمية الوطنية للتعليم التقني للدراسات العليا في توقيت بالغ الحساسية، تتقاطع فيه آمال كبرى مع تحديات دقيقة، وتتزاحم فيه رهانات البناء مع مخاطر التأسيس المتعجل.
إن هذه اللحظة لا تمثل مجرد انتقال إداري، بل تشكّل اختبارًا حقيقيًا لفكرة الأكاديمية ذاتها: هل ستُؤسَّس كرافعة علمية وطنية جادة تعيد الاعتبار للتعليم التقني والدراسات العليا بوصفهما محركًا للتنمية، أم ستقع ـ لا قدر الله ـ في فخاخ مألوفة، تبدأ بالمحاصصة، ولا تنتهي بتضخم الهياكل وتعدد الفروع على حساب الجودة والرسالة؟
من هنا، لا يبدو عنوان «تحديات التأسيس الرشيد: كيف تتجاوز الأكاديمية الوطنية للتعليم التقني للدراسات العليا فخاخ البدايات؟» مجرد صياغة إنشائية، بل سؤالًا جوهريًا يتجاوز الأشخاص إلى المنهج، ويتجاوز القرار إلى الرؤية، واضعًا الأكاديمية أمام مسؤولية تاريخية: أن تُبنى على قواعد مهنية صلبة، وأن تُدار بعقل الدولة لا بعقل المرحلة، لتكون نموذجًا يُحتذى، لا تجربة أخرى تُضاف إلى أرشيف الإخفاقات.
ولعل أخطر ما يواجه هذه الأكاديمية في بداياتها يتمثل في اختبارين حاسمين.
أولهما: خطر تسلل العقلية التقليدية التي أفرغت كثيرًا من المؤسسات العلمية من مضمونها، وحوّلتها إلى ساحات توازنات وترضيات.
فالأكاديمية الوطنية للتعليم التقني لا يجوز أن تكون امتدادًا لهذه الثقافة؛ بل ينبغي أن تُقام على مبدأ الجدارة لا المحاباة، وعلى البحث التطبيقي لا الاستهلاك الوظيفي، وعلى إنتاج المعرفة لا الاكتفاء بشهادات بلا أثر إنها، في جوهرها، يجب أن تكون محرابًا للعلم المنتج، ومساحةً حرة للفكر المنضبط بالمسؤولية الوطنية.
وإذا ما أُسست الأكاديمية على قواعد راسخة من الاستقلالية العلمية، والحوكمة الرشيدة، وربط البرامج البحثية بحاجات الدولة الفعلية وسوق العمل الحقيقي، فإنها ستكون رافعة صادقة لإصلاح منظومة التعليم التقني، ومختبرًا وطنيًا لإنتاج الحلول، لا مجرد إضافة رقمية إلى قائمة المؤسسات.
أما الاختبار الثاني، وهو الأخطر والأكثر حساسية، فيكمن في مقاومة هوس التوسع الجغرافي، الذي غالبًا ما يُسوَّق تحت شعارات براقة ظاهرها العدالة وباطنها تفريغ المشاريع من مضمونها.
ففتح فروع متعددة للأكاديمية في مختلف المدن لا يُعد إنجازًا بحد ذاته، بل قد يكون بداية النهاية لفكرة الدراسات العليا نفسها فهذا النوع من التعليم لا يحتمل الاستنساخ، ولا يُدار بعقلية “فرع في كل مدينة”، لأن الكثرة هنا ليست قوة، بل ضعفًا مركبًا.
وعليه، فإن الإصرار على الاكتفاء بثلاثة فروع فقط لا يُعد ترفًا إداريًا ولا نزعة إقصائية، بل خيارًا علميًا صارمًا يهدف إلى حماية المستوى الأكاديمي، وضمان وحدة المعايير، ومنع تفتيت الخبرات والبرامج.
أما التوسع غير المدروس، فيفتح الباب أمام التساهل في القبول، وتفاوت الجودة، وتحويل الأكاديمية ـ مع مرور الوقت ـ إلى كيان شكلي، يشبه كثيرًا من المؤسسات التي بدأت قوية ثم أُفرغت من مضمونها باسم التوازنات والمحاصصات.
فالدراسات العليا، في جوهرها، إما أن تُصان بندرتها وهيبتها، أو تُبتذل بكثرتها، ولا منطقة وسطى بين الأمرين وإذا لم يُحسم هذا الخيار منذ البداية، فإن الأكاديمية ستفقد قيمتها العلمية قبل أن تكتسبها، وستُختزل من مشروع وطني إصلاحي إلى مؤسسة أخرى تُضاف إلى قائمة ما كان يمكن أن يكون… ولم يكن.
إن ليبيا، وهي ترزح تحت وطأة الأزمات، أحوج ما تكون إلى مؤسسات تُعيد الثقة في فكرة الدولة ذاتها، وتؤكد أن الإصلاح ممكن حين تتقدم النزاهة على المصالح، والمعرفة على الضجيج. والأكاديمية الوطنية للتعليم التقني للدراسات العليا ليست مجرد مؤسسة جديدة، بل اختبار حقيقي لإرادة الإصلاح:
إما أن تُدار بعقل الدولة لا بعقل المرحلة، وبمنطق المستقبل لا بمنطق اللحظة، فتكون عنوانًا لطريق صعب لكنه صحيح… طريق العلم المسؤول،وإما أن تُهدر، كما أُهدرت فرص كثيرة من قبل .



