مخاوف زراعية متصاعدة بالجفرة مع رصد سوسة النخيل الحمراء

ليبيا 24
الجفرة أمام اختبار مصيري لحماية نخيلها
تواجه منطقة الجفرة، قلب الزراعة الواحية في ليبيا، تحديا خطيرا يهدد أحد أهم مواردها الاقتصادية والغذائية، مع تصاعد المخاوف من تفشي سوسة النخيل الحمراء، الآفة الأخطر التي تصيب أشجار النخيل وتؤدي في كثير من الحالات إلى موتها الكامل. وتأتي هذه المخاوف عقب تسجيل أولى الإصابات المؤكدة في مدينة ودان مطلع العام الجاري، ما أثار قلقا واسعا بين المزارعين والمهتمين بالقطاع الزراعي.
وتعد الجفرة من أبرز المناطق المنتجة للتمور في البلاد، حيث تضم مدن ودان وسوكنة وهون وواو الناموس، وتشكل خزانا استراتيجيا للنخيل الليبي الذي يمثل ركيزة أساسية للاقتصاد الزراعي والأمن الغذائي الوطني.
ودان.. عاصمة التمور في دائرة الخطر
يقول المزارع علي الشيخ، عضو الجمعية الزراعية في ودان، إن تسجيل أول حالة إصابة بسوسة النخيل الحمراء في المدينة شكّل صدمة حقيقية للمزارعين، نظرا للمكانة التي تحتلها ودان كأكبر تجمع لنخيل التمور في ليبيا، إذ تضم ما يقارب مليوني نخلة، بين منتجة وأخرى في طور الدخول إلى مرحلة الإنتاج.
ويؤكد الشيخ أن خطورة الوضع لا تكمن فقط في وجود الإصابة، بل في محدودية الإمكانيات المتاحة لمواجهتها، سواء على مستوى المزارعين أو الجمعية الزراعية أو مكتب الخدمات الزراعية بالبلدية، مشددا على أن هذه الجهود المتفرقة لا ترقى إلى مستوى التهديد القائم.
آفة فتاكة تتجاوز قدرات المزارعين
تُعرف سوسة النخيل الحمراء بكونها من أكثر الآفات شراسة، حيث تهاجم قلب النخلة وتتسبب في تآكل أنسجتها الداخلية دون أن تظهر أعراض واضحة في المراحل الأولى، ما يجعل اكتشافها متأخرا في أغلب الأحيان. ومع تأخر التدخل، تكون النخلة قد تعرضت لأضرار جسيمة يصعب تداركها.
ويحذر الشيخ من أن استمرار الاعتماد على الإمكانيات الذاتية، في ظل غياب دعم مؤسسي حقيقي، ينذر بكارثة زراعية واسعة النطاق، مشيرا إلى أن تجارب دول أخرى أثبتت أن التعامل المتأخر أو غير المنظم مع هذه الآفة يؤدي إلى خسائر فادحة في قطاع النخيل.
التمور.. ثروة وطنية مهددة
لا تقتصر خطورة سوسة النخيل الحمراء على الجانب الزراعي فقط، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد الوطني ككل، حيث تعد التمور ثاني أهم صادرات ليبيا بعد النفط، وموردا حيويا للعملة الصعبة، فضلا عن دورها في توفير فرص العمل وتحقيق الاستقرار المعيشي في المناطق الزراعية.
ويؤكد مزارعون أن أي تراجع في إنتاج التمور سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار محليا، وتراجع القدرة التنافسية للتمور الليبية في الأسواق الخارجية، ما يضعف مكانة ليبيا كدولة منتجة ومصدرة لهذا المحصول الاستراتيجي.
مناشدات بلا استجابة
خلال الأشهر الماضية، وجهت الجمعيات الزراعية بالجفرة عدة مناشدات إلى الجهات المختصة، مطالبة بإدراج ملف سوسة النخيل ضمن أولويات الدولة، إلا أن هذه التحذيرات لم تلقَ الاستجابة المطلوبة، بحسب المزارعين، الذين يؤكدون أن الوضع الحالي لم يعد يحتمل التأجيل أو التسويف.
ومع دخول الحشرة حاليا في مرحلة سكون نسبي بسبب انخفاض درجات الحرارة، يحذر مختصون من أن نشاطها سيتضاعف مع حلول فصلي الربيع والصيف، حيث تزداد قدرتها على الحركة والانتشار، ما قد يؤدي إلى اتساع رقعة الإصابة بشكل يصعب السيطرة عليه لاحقا.
حالات مؤكدة وأخرى قيد الاشتباه
تشير المعطيات الميدانية إلى تسجيل حالات إصابة مؤكدة في بعض البساتين، إلى جانب حالات اشتباه في مناطق أخرى، بينما لا تزال مناطق لم تُسجل فيها إصابات حتى الآن، وهو ما يفرض، بحسب الخبراء، ضرورة التحرك السريع لاحتواء البؤر المصابة ومنع انتقال الآفة إلى مناطق جديدة.
ويؤكد المزارعون أنهم يفتقرون إلى الأدوية المتخصصة والمصائد اللازمة، إضافة إلى غياب أجهزة الحقن والإبر المستخدمة في العلاج، فضلا عن الحاجة الماسة إلى خبراء زراعيين متخصصين للإشراف على عمليات المكافحة.
انتشار إقليمي وتحذيرات علمية
من جانبه، يوضح الخبير الزراعي الدكتور علي بطاو أن سوسة النخيل الحمراء تعد من أخطر الآفات التي تهدد النخيل في العالم العربي، مشيرا إلى أن موطنها الأصلي يعود إلى شبه القارة الهندية، قبل أن تنتقل عبر حركة النقل الزراعي إلى مناطق واسعة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ويبين بطاو أن ليبيا سجلت أول ظهور لهذه الآفة عام 2009 في مدينة طبرق، قبل أن تنتشر تدريجيا في مناطق أخرى من البلاد، وصولا إلى الجفرة وأوجلة، ما يعكس غياب منظومة رقابة فعالة تحول دون انتقالها بين المناطق.
صعوبة الاكتشاف وسرعة الانتشار
تتميز سوسة النخيل بقدرتها العالية على التخفي، إذ لا تُلاحظ غالبا إلا بعد أن تكون النخلة قد تعرضت لأضرار كبيرة. كما تمتلك الحشرة قدرة كبيرة على الطيران والانتقال لمسافات طويلة، ما يزيد من خطورة انتشارها بين الواحات والمزارع.
ويشير بطاو إلى أن انتقال السوسة يحدث غالبا عبر الجروح الناتجة عن تنظيف النخيل أو فصل الفسائل، حيث تتسلل الحشرة دون أن يلاحظها المزارع، مؤكدا أن اكتشافها المبكر يتطلب خبرة ميدانية ومتابعة دقيقة.
غياب التخطيط المنظم
ويرى مختصون أن تفاقم المشكلة في ليبيا يعود بالأساس إلى غياب التخطيط الوطني المنظم لمكافحة الآفة، رغم توفر الخبرات الفنية القادرة على إعداد وتنفيذ برامج فعالة. ويؤكد بطاو أنهم أعدوا سابقا برنامجا متكاملا لمكافحة سوسة النخيل، تضمن إجراءات وقائية وعلاجية واضحة، إلا أنه لم يُنفذ بالشكل المطلوب.
الحاجة إلى مشروع وطني شامل
يشدد الخبراء على أن مكافحة سوسة النخيل الحمراء لا يمكن أن تنجح عبر جهود فردية أو محلية محدودة، بل تتطلب إطلاق مشروع وطني شامل، يشمل منع نقل الفسائل بين المناطق، وتكثيف حملات المراقبة، وتوفير المصائد، وتنظيم برامج تدريب وتوعية للمزارعين.
كما يؤكدون أن القضية تتجاوز البعد الزراعي لتصل إلى مستوى الأمن القومي الغذائي، محذرين من أن أي تقاعس أو غياب للتنسيق بين الجهات المعنية قد يؤدي إلى فقدان ليبيا لجزء كبير من ثروتها من أشجار النخيل.
سباق مع الزمن لإنقاذ النخيل
مع تصاعد التحذيرات وارتفاع وتيرة القلق في أوساط المزارعين، تبدو الجفرة اليوم أمام سباق حقيقي مع الزمن، فإما تحرك عاجل ومدروس يحمي هذا المورد الحيوي، أو استمرار الإهمال بما يحمله من مخاطر اقتصادية واجتماعية واسعة.
ويجمع المزارعون والخبراء على أن الفرصة لا تزال قائمة لاحتواء الآفة، شريطة توفر الإرادة المؤسسية والدعم الفني والمالي، وإطلاق برنامج وطني مستدام يضع حماية النخيل في صدارة أولويات الدولة.



