مجلس النواب يرفض اتفاق ميناء مصراتة ويحمّل الدبيبة مسؤولية التفريط
جدل سيادي واسع بعد توقيع الدبيبة صفقة ميناء مصراتة
ليبيا 24:
البرلمان يعترض على اتفاق ميناء مصراتة
أثار الاتفاق الذي وقّعه رئيس الحكومة منتهية الولاية، عبد الحميد الدبيبة، مع كل من قطر وإيطاليا، بشأن تطوير وتوسعة محطة ميناء المنطقة الحرة بمصراتة، موجة واسعة من الجدل السياسي والقانوني، وسط اعتراض رسمي من مجلس النواب وتحذيرات من المساس بالسيادة والموارد الوطنية.
وأعلنت لجنتا الطاقة والشؤون الخارجية بمجلس النواب رفضهما القاطع للاتفاق، معتبرتين أنّ الخطوة تمثل تعدياً واضحاً على الموارد السيادية الليبية، وتفريطاً في الثروات الوطنية، خاصة ما يتعلق بالمناطق الاقتصادية الحرة التي تُعد من أبرز أدوات الدولة في تحقيق التنمية المستدامة وضمان استقلال القرار الاقتصادي.
اتهامات بتجاوز الصلاحيات القانونية
وأكدت اللجنتان، في بيان مشترك، أن حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية لا تملك أي سند قانوني أو تفويض دستوري يخولها إبرام اتفاقيات استراتيجية طويلة الأمد، لا سيما في قطاعات سيادية وحيوية كالموانئ، التي تمس الأمن القومي والاقتصاد الوطني بشكل مباشر.
واعتبر نواب أن توقيع مثل هذه الاتفاقيات في ظل غياب برلمان منتخب وحكومة شرعية كاملة الصلاحيات، يشكل سابقة خطيرة، ويضع أعباء والتزامات مستقبلية قد تعجز أي سلطة قادمة عن مراجعتها أو إلغائها، ما يفتح الباب أمام نزاعات قانونية وسياسية معقدة.
أزمة شرعية وسيادة متفاقمة
من جانبه، قال المحلل السياسي الدكتور خالد محمد الحجازي إن الجدل الدائر حول الصفقة تجاوز الإطار الاقتصادي البحت، ليعكس أزمة أعمق تتعلق بالشرعية السياسية والسيادة الوطنية وتوازنات السلطة في البلاد.
وأوضح الحجازي أن أولى دلالات هذا الجدل تكمن في أزمة الشرعية، حيث يترأس الدبيبة حكومة كان من المفترض أن تنهي ولايتها بإجراء انتخابات لم تتحقق، ما يجعل إقدامه على توقيع اتفاقيات استراتيجية طويلة الأمد موضع تشكيك واسع ورفض شعبي ورسمي.
وأضاف أن كثيراً من الليبيين ينظرون إلى هذه الخطوات باعتبارها محاولة لفرض أمر واقع سياسي واقتصادي، وربط مستقبل مرافق حيوية بتفاهمات أبرمتها حكومة تصريف أعمال، بما يقيد خيارات الحكومات المنتخبة مستقبلاً.
ميناء مصراتة بين الاقتصاد والنفوذ السياسي
وأشار الحجازي إلى أن ميناء مصراتة لا يمكن فصله عن رمزيته السياسية والعسكرية، إذ لا يمثل مجرد بوابة تجارية، بل يعد جزءاً من شبكة نفوذ مرتبطة بمدينة مصراتة، التي تشكل أحد أبرز مراكز الثقل الداعمة للدبيبة.
ومن هذا المنطلق، يرى معارضو الصفقة أن الاتفاق لا يخدم الاقتصاد الوطني بقدر ما يعزز موقع طرف سياسي بعينه داخل معادلة الصراع الليبي، وهو ما يفاقم مخاوف الإقصاء، ويعمّق حالة عدم التوازن بين الأقاليم، ويغذي الانقسام القائم.
حساسية الوجود الأجنبي في المرافق الحيوية
وتابع الحجازي أن الجدل يعكس أيضاً حساسية الليبيين تجاه أي وجود أجنبي في المرافق السيادية، خاصة بعد سنوات من التدخلات الخارجية التي أضعفت الدولة ومؤسساتها.
وأوضح أن التساؤلات المتعلقة بهوية الشركاء، ومدة العقود، وطبيعة السيطرة التشغيلية أو الأمنية، تعكس مخاوف مشروعة من تآكل السيادة الوطنية، في بلد لم يستعد بعد وحدته المؤسسية ولا قدرته على فرض قراره المستقل.
وختم بالقول إن الدبيبة يسعى، من خلال هذه الصفقات، إلى كسب ود القوى الأجنبية وربط مصالحها باستمراره السياسي، في ظل غياب توافق داخلي وانتخابات، معتمداً على مشاريع البنية التحتية الكبرى كأداة لتعزيز موقعه وإظهار نفسه كشريك موثوق خارجياً.
قراءة في توقيت الصفقة وأبعادها
بدوره، اعتبر المحلل السياسي حسام الفنيش أن الصفقة لا يمكن قراءتها كمشروع استثماري فقط، بل تتقاطع مع تعقيدات السلطة والمصالح على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
وأوضح أن توقيت الاتفاق وطبيعة الشركاء يثيران تساؤلات جدية حول أهدافه الحقيقية، وما إذا كان يسعى فعلاً إلى تطوير البنية التحتية، أم إلى إرسال رسائل سياسية واسترضاء أطراف خارجية لتعزيز النفوذ الداخلي والخارجي لرئيس الحكومة.
وأضاف أن الجدل القائم يكشف هشاشة إطار اتخاذ القرار في ليبيا، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الصراعات السياسية، ويصبح أي مشروع استراتيجي محلاً لقراءات مزدوجة بين التنمية وإعادة التموضع السياسي.
وأكد الفنيش أن تقييم مثل هذه المشاريع يجب أن يقوم على معايير الشفافية وحماية القرار السيادي والمساءلة، وضمان أن تكون جزءاً من رؤية وطنية شاملة، لا أداة لتثبيت تحالفات مؤقتة أو الاستجابة لضغوط خارجية ظرفية.



