ليبيا

خفض حرق الغاز يعيد ملف تشغيل محطات الكهرباء ليبيا

الغاز المحلي خيار اقتصادي لإنهاء هدر وقود الكهرباء ليبيا

ليبيا 24:

إنجاز بيئي يعيد ترتيب أولويات الطاقة

أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط عن تحقيق خفض ملموس في معدلات حرق الغاز خلال العام الماضي، في خطوة وُصفت بأنها تقدم بيئي واقتصادي يعكس تحسناً في إدارة الموارد الوطنية.

 وأكدت المؤسسة أن كميات الغاز التي جرى توفيرها ستُوجَّه لتغذية محطات الكهرباء والمصانع داخل البلاد، بما يسهم في تقليص الانبعاثات وتحسين كفاءة منظومة الطاقة.

هذا الإعلان أعاد إلى الواجهة نقاشاً قديماً حول سياسات تشغيل محطات الكهرباء في ليبيا، خصوصاً الاعتماد المستمر على الديزل والوقود الثقيل، رغم توفر الغاز الطبيعي محلياً وارتفاع كلفة الاستيراد وتداعياته المالية والبيئية.

هدر مالي مستمر رغم البدائل

في هذا السياق، اعتبر الخبير الاقتصادي إدريس الشريف أن تشغيل محطات الكهرباء بالديزل يمثل أحد أخطر أوجه الهدر المالي، مشيراً إلى أن هذا النهج مستمر منذ سنوات رغم وجود حلول فنية واقتصادية واضحة، أبرزها ربط المحطات بالغاز الطبيعي المحلي.

وأوضح أن ليبيا، برغم امتلاكها احتياطيات معتبرة من الغاز، تُصنَّف ضمن الدول الأعلى في معدلات حرق الغاز المصاحب، ما يعكس خللاً هيكلياً في إدارة هذا المورد.

وأكد الشريف أن الدولة أعدّت في فترات سابقة دراسات متكاملة لإنشاء خطوط غاز قادرة على تزويد مدن ومحطات كاملة بالطاقة، غير أن هذه المشاريع توقفت دون مبررات فنية حقيقية، ما أدى إلى إهدار فرص استثمار الغاز المتاح محلياً، والاستمرار في استيراد وقود مرتفع الكلفة.

ملف قديم يعود عبر الرقابة

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أنه طرح هذا الملف للنقاش العلني منذ سنوات عبر وسائل الإعلام، إلا أن إثارة القضية آنذاك قوبلت بانتقادات حادة.

ومع مرور الوقت، عاد الملف إلى الواجهة بقوة عقب تحركات الجهات الرقابية ودخول النيابة العامة على خط التحقيق، وهو ما كشف، بحسب الشريف، حجم التعقيدات وتشابك المصالح المرتبطة بملف استيراد الوقود.

وأوضح أن هذه التطورات أكدت أن القضية لا تتعلق فقط بخيارات فنية، بل بمنظومة متكاملة من القرارات والسياسات التي سمحت باستمرار الهدر واستنزاف المال العام.

مكاسب فنية واقتصادية لاستخدام الغاز

وبيّن الشريف أن تشغيل محطات الكهرباء بالغاز الطبيعي يحقق مكاسب متعددة، إذ ينعكس إيجاباً على الأداء الفني للمحطات ويطيل عمرها الإنتاجي، كما يقلل من الأعطال ويخفض كلفة الإنتاج مقارنة بالديزل.

وأضاف أن الوقود الثقيل والديزل يتسببان في أضرار فنية وبيئية جسيمة، إلى جانب استنزاف الموارد المالية بشكل يومي ومستمر.

ولفت إلى أن بعض المحطات أُنشئت في مناطق لا تتوفر فيها مصادر قريبة للغاز، وتم تشغيلها بوقود مستورد نتيجة قرارات وصفها بأنها سياسية وغير اقتصادية، مؤكداً أن إنشاء خطوط غاز كان سيُجنِّب الدولة إنفاقاً شهرياً ضخماً، إذ يُنفَّذ المشروع مرة واحدة ويخدم المحطة طوال عمرها التشغيلي.

بيئة خصبة للفساد واستنزاف المال العام

وأكد الشريف أن استمرار الاعتماد على الديزل خلق بيئة مواتية للفساد، حيث ارتبطت عمليات التوريد بعقود مشبوهة وعمليات تهريب ومبالغات في الأسعار، واعتبر أن هذا الملف يُعد من أكبر ملفات الهدر والنهب المنظم للمال العام، كما كشفت عنه التحقيقات الرسمية الجارية.

وشدد على أن المسؤولية لا تقع على جهة واحدة، بل هي نتيجة تراكم أخطاء وتقصير وفساد ضمن منظومة متكاملة، داعياً إلى وقف هذا النزيف فوراً حتى في حال تعذرت مساءلة جميع المتسببين خلال السنوات الماضية.

خيارات أقل كلفة وإصلاح شامل

وأوضح الشريف أن معظم دول العالم تعتمد الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء، بالتوازي مع التوسع في مصادر الطاقة البديلة. ورأى أن الاستمرار في الدفاع عن خيار الديزل في ليبيا، رغم كلفته المرتفعة وأضراره الواسعة، يثير تساؤلات جدية حول إدارة قطاع الطاقة.

وأشار إلى وجود بدائل أخرى أقل عبئاً على الخزينة العامة، مثل استيراد الكهرباء من دول الجوار أو استخدام الغاز المسال عبر منصات عائمة، مؤكداً أن هذه الخيارات تبقى أكثر جدوى من استمرار تشغيل المحطات بالديزل.

وختم الشريف بالتأكيد على أن الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على خفض الإنفاق، بل يتطلب تغيير آليات التعاقد، ووقف الصفقات المشبوهة، واعتماد الغاز كخيار استراتيجي لتشغيل المحطات القائمة، إلى جانب التوسع التدريجي في مشاريع الطاقة الشمسية، بما يضمن استقرار قطاع الكهرباء وحماية المال العام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى