ليبيا على صفيح ساخن.. توقعات بموجة ملاحقات أمريكية جديدة في قضية بنغازي
واشنطن تُصعّد مطاردتها لمتورطين محتملين في هجوم بنغازي 2012
ليبيا 24
ليبيا تنتظر تبعات تسليم البكوش وتتوقع قوائم اتهام جديدة لواشنطن
تُعيش الأوساط السياسية والأمنية في ليبيا على وقع حالة ترقب وتوقع، بعد أن أعلنت السلطات الأمريكية اعتقال المواطن الليبي الزبير البكوش وتسلميه للعدالة الأمريكية، للاشتباه في ضلوعه بالهجوم الدامي الذي استهدف البعثة الدبلوماسية الأمريكية في مدينة بنغازي قبل نحو أحد عشر عاماً.
هذه الخطوة، التي تمت في صمت نسبي، أطلقت العنان لموجة من التكهنات والتوقعات بين النخب والمحللين، مفادها أن واشنطن قد بدأت مرحلة جديدة من “التصفية” لقضاياها الأمنية المؤجلة في ليبيا، وقد تطول قوائم طويلة من الأسماء الأخرى التي لا تزال ملفاتها مفتوحة أمام الجهاز القضائي الأمريكي.






صمت رسمي وضجة شعبية
وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تصدر أي تصريحات رسمية من الحكومة منتهية الولاية ، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، حول حيثيات أو تفاصيل عملية تسليم البكوش. هذا الصمت الرسمي يقابله ضجة واسعة على منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المحلية، التي تناولت الخبر على نطاق واسع، منقبةً عن خلفياته ومستقبلاته.
وقال النائب البرلماني فهمي التواتي، في تصريحات صحفية، إن “ما حدث مع البكوش ليس سوى حلقة في سلسلة طويلة”، متوقعاً أن تشهد الفترة المقبلة “تحركات أمريكية مكثفة لملاحقة أسماء أخرى موجودة على قوائم الاشتباه الأمريكية”، مشيراً إلى أن “تعاون السلطات الليبية الحالية يبدو واضحاً في هذا الملف، كما حدث سابقاً مع الموقوف أبو عجيلة المريمي”.
سابقة المريمي.. ونموذج يتكرر
ويستدعي كثيرون هنا سابقة تسليم المريمي، ضابط الاستخبارات السابق، في أواخر العام 2022، والمتهم من قبل واشنطن بالضلوع في تفجير طائرة الركاب فوق بلدة لوكربي الاسكتلندية عام 1988. العملية التي تمت وفق سيناريو مشابه، عززت قناعة محللين بأن هناك “مساراً تعاونياً” ثابتاً بين حكومة الدبيبة منتهية الولاية والجانب الأمريكي، يتجاوز المتغيرات السياسية.
ويرى الخبير الأمني محمد السنوسي أن “الباب قد فتح على مصراعيه” منذ سنوات، مستذكراً عمليات الاعتقال أو التسليم التي طالت أسماء مثل أحمد أبو ختالة وأبو أنس الليبي. وقال السنوسي في تصريح صحفي: “السياق العام، السياسي والاقتصادي، الذي ترعاه واشنطن في ليبيا حالياً، لا يترك مجالاً كبيراً للمناورة أو الرفض. هناك تفاهمات أوسع، والملفات الأمنية باتت جزءاً من حسابات أكبر”.
بنغازي 2012.. جريمة تطلب عدالة
لا ينسى الليبيون ذلك اليوم من سبتمبر 2012، حين اقتحم العشرات من المسلحين المجمع الدبلوماسي الأمريكي في بنغازي، وأشعلوا النيران في مرافقه، ما أدى إلى مقتل السفير الأمريكي كريستوفر ستيفنز وموظف الخارجية شون سميث وآخرين. الحادثة التي هزت الرأي العام العالمي، شكلت جرحاً نازفاً في الذاكرة الأمريكية، ووعداً متجدداً بملاحقة كل المتورطين.
وبعد سنوات من التحقيقات المعقدة، أعلنت المدعية العامة الأمريكية جانين بيرو، مؤخراً، توجيه ثماني تهم جنائية للبكوش، تتعلق بالقتل والتآمر. إلا أن مصادر قضائية تشير إلى أن القضية “أبعد ما تكون عن الإغلاق”، وأن التحقيقات لا تزال مستمرة للوصول إلى شبكات الدعم والتمويل والتخطيط التي وقفت خلف الهجوم.
تغييرات في الخريطة وتصفية للحسابات
ويلفت الإعلامي الليبي خليل الحاسي إلى عامل مهم، وهو التحولات الكبيرة التي شهدتها الخريطة الأمنية والفكرية للجماعات التي كانت نشطة في بنغازي ودرنة في تلك الفترة. ويقول الحاسي: “الكثير من تلك الأسماء فرّت وتشتت في مناطق غرب ليبيا، بل وغيرت من خطابها علناً، متحولة من الدعوة لإمارة إسلامية إلى تبني خطاب الدولة المدنية. لكن هذا التحول الظاهري قد لا يحميهم من الملاحقة القضائية الأمريكية التي تريد تصفية حساب قديم”.
من جهته، يربط الدبلوماسي السابق محمد المرداس بين ملف البكوش وشبكات أوسع. ويشير في حديثه إلى أن “البكوش كان يدير شركة تحويلات مالية واستثمارية في طرابلس، وهو ما يفتح الباب أمام تحقيقات قد تتبع أثر الأموال وتصل إلى أطراف وجهات إقليمية أو محلية متعددة”.
مستقبل غامض واتهامات متبادلة
في الشارع الليبي، تتنوع ردود الأفعال بين مؤيد لعملية التسليم، باعتبارها خطوة نحو تحقيق العدالة وإنهاء ملفات الماضي، ومعارض يراها انتقاصاً من السيادة و”استعراضاً للقوة” من قبل واشنطن. فيما يتخوف آخرون من أن تستخدم هذه الملفات كورقة ضغط في المعادلة السياسية المعقدة، أو أن تتحول إلى مطاردات انتقائية تستهدف خصوماً محددين.
وتبقى الأسئلة الكبيرة معلقة: من ستطاله التهمة الأمريكية القادمة؟ وهل سيكون التسليم استثناءً أم قاعدة في تعامل الحكومة الليبية مع الطلبات الأمريكية؟ وإلى أي مدى ستؤثر هذه التطورات على الاستقرار الهش والحساس في البلاد؟
ما هو مؤكد، وسط كل هذه التوقعات، أن قضية هجوم بنغازي عادت بقوة إلى الواجهة، وأن ليبيا، بكل أطيافها، ستظل تراقب بعناية كل حركة أمريكية قادمة، في انتظار ما ستفرزه الأيام من مفاجآت جديدة في هذا الملف العالق.



