ليبيا

إدريس احميد يكتب: ليبيا.. الفرص الضائعة والأزمة المستمرة

توقف التنمية وإلغاء القطاع الخاص وتضخم القطاع العام وغياب التعددية السياسية

ليبيا 24

أكتب هذا المقال من منطلق حديثي المستمر عن الشأن الوطني، وفي ظل ما نسمعه يوميًا من آراء متناقضة، بعضها مقصود بدوافع سياسية أو مصلحية، وبعضها الآخر ناتج عن غياب الوعي أو سوء الفهم.

هذه التناقضات تعكس مستوى إدراكنا لطبيعة أزمتنا، وتكشف حجم الالتباس الذي يحيط بقراءتنا لتاريخنا ومسار دولتنا. بين من يدافع بدافع الانتماء، ومن يهاجم بدافع الخصومة، تضيع الحقيقة أحيانًا وسط ضجيج العناد الذي أصبح سمة بارزة في خطابنا العام. ولهذا وجب التذكير، لا من باب المزايدة، ولا من باب تصفية الحسابات، بل من باب المسؤولية الوطنية. فالقضية ليست في الانتصار لرأي، بل في البحث عن طريق ينقذ وطنًا أنهكته المراحل والرهانات الخاطئة.

نقولها بصراحة: لقد تأخرت ليبيا وأضاعت فرصة تاريخية كانت متاحة لها في ظل استقرار داخلي نسبي ومعطيات دولية مواتية. منذ تأسيس الدولة عام 1951 وحتى مطلع السبعينات، كانت البلاد تسير في مسار بناء مؤسساتي وتنموي واعد مقارنة بمحيطها. الموارد كانت متوفرة، وعدد السكان محدود، والبيئة الدولية أقل تعقيدًا مما هي عليه اليوم. كان بالإمكان ترسيخ قاعدة اقتصادية منتجة، وبناء تعليم متطور، وبنية تحتية حديثة، ومؤسسات مستقلة قادرة على الاستمرار.

لكن منتصف السبعينات شكّل نقطة تحول مفصلية. توقفت المسيرة التنموية تدريجيًا، وتكرّس نموذج اقتصادي ريعي مغلق. وفي عام 1978 تم إنهاء القطاع الخاص فعليًا والاستيلاء على أملاك التجار ورجال الأعمال، ليحل القطاع العام محل المبادرة الفردية. لم تكن النتيجة مجرد تغيير في شكل الاقتصاد، بل تحوّل عميق في الثقافة والسلوك، حيث تراجعت روح المبادرة الفردية، تضخم الجهاز الإداري، وغياب العدالة الاجتماعية، وبدأت ثقافة الاعتماد على الدولة تترسخ، ما جعل المواطن الليبي يتهافت على مؤسسات الدولة والوظائف العامة، ويتعلق بالمكاسب الضيقة بدل الاستثمار في الإنتاج والعمل الحر. الدعم الواسع للسلع والوظائف خلق وهم الرفاهية، لكنه ضرب الثقافة والوعي وترشيد الاستهلاك، وزرع عادات وسلوكيات متجذرة ما زلنا ندفع ثمنها اليوم.

ما نتحدث عنه هنا ليس وجهة نظر، بل وقائع واضحة وموثقة. توقف التنمية، إلغاء القطاع الخاص، تضخم القطاع العام، غياب التعددية السياسية… هذه ليست تأويلات، بل واقع عاشه الليبيون. وهذه الحقائق لا تحتاج إلى رأي مضاد ينكرها بقدر ما تحتاج إلى شجاعة في الاعتراف بها، ولا أظن أن عاقلًا ينكر أن ليبيا، رغم إمكاناتها، تأخرت عن ركب التنمية مقارنة بدول لم تكن تملك ما نملكه من موارد وفرص.

نلوم كلا من يدعي الانتماء لنظام سبتمبر، ولا يزال يرفض الاعتراف بأنه أحد أهم أسباب ما وصلت إليه البلاد من توقف مسيرة التنمية منذ منتصف السبعينيات، وهذا إنكار للواقع يمثل محاولة تجاهل من البعض وجهلًا من عامة الشعب الذين كانوا ضحايا هذا التوقف. العقلية الليبية التي تفتقر للتجارب المستفادة من الشعوب الأخرى، ومستوى الثقافة والروح الوطنية، حتى لدى دول الجوار التي تقدمت علينا، لعبت دورًا كبيرًا في استمرار الأزمة. من المقارنات السطحية بعد 2011، يتضح أن الحديث عن المواد الغذائية المدعومة أو انخفاض الأسعار يُستعمل أحيانًا لتجميل الواقع، مع تجاهل أن الدولة الريعية كانت كارثة على المجتمع والثقافة والاعتماد على النفس. كما أن انهيار القطاع الخاص عام 1978 وحلول القطاع العام مكانه أدى إلى الإفلاس والبطالة، وزرع ثقافة الاستيلاء والفساد، ما جعل الليبيين يتهافتون على مؤسسات الدولة والانتخابات بدل العمل والإنتاج.

هذا ينطبق كذلك على من يدعون ثورة فبراير، وخاصة الملتحقين حديثًا الذين حصلوا على مكاسب يحافظون عليها دون اهتمام حقيقي بثورة أو تغيير. المسار السياسي بعد 2011 بقي فاشلًا، حيث تركت القيادات الساحة للتسلقين، والسيطرة كانت بيد أصحاب النفوذ الضيق، ما انعكس على فشل الانتخابات وسيطرة المليشيات، كما ظهر في رفض الانتخابات البرلمانية 2014 وحرق مطار العاصمة.

نسمع اليوم كثيرًا من سجالات حول “أي مرحلة كانت أفضل”، ويمضي البعض في التباكي على الماضي، مطلقين الاتهامات بالعمالة والخيانة والمزايدات السياسية على دولة يجب علينا الاعتراف بأنها تأخرت كثيرًا. ليبيا كانت متقدمة في السبعينات، ولكن بعدها شهدت سنوات طويلة من التراجع، فتراجعت التنمية، وتعمقت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. فهل يعقل أن دولًا كانت خلفنا آنذاك قد سبقتنا اليوم، بينما نحن ما زلنا نتصارع بالشعارات والأفكار المتخلفة، ونستمر في الإنكار أو التشفي بدل المراجعة الصادقة والتعلم من الماضي؟ هذه السجالات ليست مجرد نقاش، بل لها تداعيات مباشرة على حاضرنا ومستقبلنا، فهي تشتت الجهود، وتعزز الانقسام، وتؤخر أي مسار لإصلاح حقيقي أو بناء دولة قوية.

في خضم هذا الواقع، لا يمكن تجاهل حقيقة أن المؤسسة العسكرية، ممثلة في القيادة العامة للجيش، برزت بعد 2011 كأحد أبرز الإنجازات التي أعادت قدرًا من الاستقرار إلى مساحات واسعة من البلاد، خاصة في الشرق والجنوب، حيث تم تأمين مناطق استراتيجية وحدود شاسعة ومواقع حيوية تمثل عصب الاقتصاد الوطني. هذا الدور، سواء اختلف معه البعض أو اتفق، يُعدّ من الوقائع التي أثّرت فعليًا في معادلة الأمن، في وقت كانت فيه الدولة تعاني من انهيار شبه كامل في بنيتها الأمنية. التحدي الأكبر يكمن في تحويل هذا الأمن إلى قاعدة لبناء مؤسسات موحدة تخضع لسلطة قانون واحدة، بحيث يكون الأمن مقدمة لبناء الدولة لا بديلاً عنها.

الحلول الخارجية وحدها لن تكون كافية لتجاوز التجارب السابقة. الحل الليبي يتطلب صحوة شعبية تقوم على قناعة بأن الأولوية المطلقة هي بسط الأمن والاستقرار، لتخضع جميع المؤسسات والأفراد لسلطة القانون، مع دعم القيادة العامة للجيش الليبي الذي يمثل أفضل إنجاز تحقق بعد 2011 أمام الفشل السياسي المستمر. ويجب أن يرفع صوت الليبيين الشرفاء، أصحاب المصلحة الحقيقية، لدعم هذا الإنجاز وتعزيزه من أجل مستقبل الدولة. الخلاصة المؤلمة ولكن الضرورية: ما حدث في ليبيا هو نتاج سياسات طويلة عطلت التنمية، ومسار انتقالي فشل، ونخب انشغلت بالمصالح الضيقة أكثر من المشروع الوطني. الاعتراف بالحقائق ليس هزيمة، بل بداية التعافي، وفهم التجربة هو السبيل الوحيد لتجنب تكرار الأخطاء وبناء مستقبل أفضل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى