أخبار العالماقتصادليبيا

الغاز الليبي… ثروة جديدة تبحث عن وطن بين نعمة الاستثمار ونقمة الصراع

ليبيا 24

اكتشاف غازي ضخم قبالة السواحل الليبية يعيد رسم خريطة الطاقة بالمتوسط
في تطور يراه المراقبون بمثابة اختبار حقيقي لمستقبل الاقتصاد الليبي، أعلنت شركة إيني الإيطالية عن اكتشاف احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي تزيد عن تريليون قدم مكعب في حقل بحر السلام قبالة السواحل الليبية. هذا الاكتشاف، الذي وُصف بأنه الأهم في السنوات الأخيرة، يفتح الباب أمام تساؤلات مصيرية حول ما إذا كانت ليبيا ستنجح أخيرا في تحويل ثرواتها الباطنية إلى رافعة للتنمية، أم ستظل أسيرة للفوضى التي تعصف بمؤسساتها منذ أكثر من عقد.

بارقة أمل في بحر من التحديات

الخبر الذي أعلنته المؤسسة الوطنية للنفط جاء كانتصار تقني بامتياز، حيث تم الانتهاء من عمليات الحفر في بئرين استراتيجيتين هما “بحر السلام 2″ و”بحر السلام 3”. الميزة الأبرز في هذا الاكتشاف لا تكمن فقط في ضخامة الاحتياطيات، بل في موقعه الاستراتيجي القريب من منصة “بحر السلام” البحرية التي تبعد حوالي 16 كيلومترا فقط. هذا القرب الجغرافي يتيح تطوير الحقل بسرعة قياسية، عبر ربط الآبار الجديدة بالمنشآت القائمة، مما يختصر سنوات من العمل والإنفاق.

الخطط التطويرية جاهزة بالفعل، وتستهدف ضخ نحو 130 مليون قدم مكعبة قياسية من الغاز يوميا، في خطوة من شأنها أن تعزز بشكل كبير قدرة ليبيا على تلبية احتياجات سوقها المحلية من الطاقة، والتي تعاني من عجز مزمن يؤدي إلى انقطاع التيار الكهربائي بشكل متكرر. الفائض من هذه الكميات سيوجه نحو التصدير إلى إيطاليا عبر خط أنابيب “غرين ستريم”، مما يعزز مكانة ليبيا كمنتج موثوق في سوق أوروبا التي تبحث عن بدائل للغاز الروسي.

جدل ليبي حول حوكمة الثروات الجديدة وسط تحذيرات من تحول “النعمة” إلى نقمة

الخشية القديمة الجديدة: من النفط إلى الغاز

لكن هذا الزخم الإيجابي سرعان ما يصطدم بواقع سياسي معقد. فقد استحضر عضو المجلس الأعلى للدولة سعد بن شرادة، في تعليقه على الاكتشاف، مقولة تاريخية عند اكتشاف النفط، حيث عبر عن خشيته من أن يتحول الذهب الأسود إلى “نقمة” على الليبيين. هذه المقولة، التي ترددت على لسان بن شرادة، تحمل دلالات عميقة في سياق اليوم.

فالبلاد التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا، وتشكل عائداتها العمود الفقري للاقتصاد الوطني، لا تزال تعاني من انقسام حاد في مؤسساتها. الثروة التي يفترض أن تكون عامل وحدة، تتحول في كثير من الأحيان إلى وقود للصراع وساحة لنهب المال العام. بن شرادة لم يخفِ هذه المخاوف، مؤكدا أن الثروات الطبيعية وحدها لا تكفي لبناء الأوطان، وأن العدالة وحسن إدارة مؤسسات الدولة هما الشرطان الأساسيان لتحقيق التنمية والاستقرار.

الحوكمة.. سؤال الهيئات والمؤسسات

هذا الطرح يقودنا مباشرة إلى ملف الحوكمة، وهو الملف الذي أثارته تصريحات الكاتب السياسي فضيل الأمين. الأمين شدد على أن كل اكتشاف كبير للنفط أو الغاز في ليبيا يثير أسئلة تتجاوز الجيولوجيا إلى صميم السياسة: من يدير القطاع؟ من يتخذ القرار الاستراتيجي؟ من يراقب الإنفاق والعائدات؟ والأهم، من المستفيد الحقيقي من هذه الثروات؟

في ظل غياب سلطة مركزية موحدة، وميزانية عامة واضحة، وآليات شفافة لتوزيع الإيرادات، يبقى خطر تحول الاكتشافات الجديدة إلى عامل جديد للصراع قائما. تحويل هذه الاحتياطيات إلى إنتاج فعلي يتطلب بيئة مؤسساتية مستقرة، وهو شرط لا يبدو متاحا على المدى القصير في ظل استمرار الانقسام السياسي. الخشية أن تتحول الآبار الجديدة، بدلا من كونها فرصة وطنية، إلى بؤرة جديدة للتنافس على النفوذ بين القوى المحلية المتعددة.

ليبيا وأوروبا: شراكة طاقة واعدة أم بديل للأزمات؟

بعيدا عن الجدل الداخلي، يضع الموقع الجغرافي الليبي واحتياطياتها الضخمة من الغاز عالي الجودة في قلب استراتيجيات أمن الطاقة الأوروبية. الحرب في أوكرانيا والتوترات الجيوسياسية كشفت هشاشة اعتماد القارة العجوز على مصدر واحد، مما جعل الغاز المتوسطي، وخاصة الليبي، خيارا استراتيجيا للتنويع.

الخبير الاقتصادي فوزي عمار اللولكي يرى في هذا التقارب فرصة تاريخية لتجاوز علاقة الاستيراد والتصدير التقليدية نحو شراكة تكاملية حقيقية. هذه الشراكة لا تقتصر على بيع الغاز الخام، بل تمتد لتشمل نقل التكنولوجيا الحديثة، وإعادة تأهيل البنية التحتية النفطية المتقادمة، وتدريب الكوادر الليبية، والاستثمار في مشاريع التكرير والبتروكيماويات داخل ليبيا، مما يخلق قيمة مضافة حقيقية ويوفر فرص عمل.

الطموحات لا تتوقف عند الوقود الأحفوري. ليبيا تمتلك أحد أعلى معدلات سطوع الشمس في العالم، مما يجعل صحراءها الشاسعة كنزا للطاقة النظيفة. الحديث يدور عن إمكانية تحويل ليبيا إلى مصدر رئيسي للطاقة الشمسية إلى أوروبا عبر كوابل بحرية، وهو مشروع طموح يمكن أن يحول البلاد إلى لاعب محوري في تحول الطاقة العالمي، وليس فقط موردا للهيدروكربونات.

عقبة الاستقرار… الشرط الأصعب

تبقى كل هذه الرؤى الطموحة رهينة بشرط واحد لا يمكن تجاوزه: الاستقرار. ليبيا تحتاج إلى بناء دولة قادرة على تقديم تعهدات واضحة للشركاء الدوليين، وتوفير بيئة آمنة للاستثمارات طويلة الأجل. شركات مثل إيني، التي تتواجد في ليبيا منذ عام 1959 وتنتج حوالي 162 ألف برميل من المكافئ النفطي يوميا، تمثل نموذجا للشراكة الممكنة، لكنها تظل استثناء في محيط من التردد الدولي.

لذلك، فإن المهمة الأكثر إلحاحا اليوم ليست حفر المزيد من الآبار، بل إنهاء حالة الانقساد وتوحيد المؤسسات. الاستقرار السياسي والأمني هو المفتاح السحري الذي يمكن أن يحول ليبيا من بلد يتم استدعاؤه كبديل في أوقات الأزمات، إلى شريك استراتيجي دائم وموثوق في معادلة الطاقة في حوض البحر المتوسط. النعمة موجودة في باطن الأرض، لكن تحقيقها على السطح يتطلب إرادة وطنية قادرة على بناء وطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى