الستار الحديدي يخيم على طرابلس: الغياب المريع للدبيبة يعيد خلط أوراق السلطة في ليبيا
حكومة الدبيبة المنتهية ولايتها تواجه أزمة شرعية وتصاعد المعارضة
ليبيا 24
غياب الدبيبة المتكرر يثير تساؤلات جدية حول وضعه الصحي
في مشهد لم تألفه الساحة السياسية الليبية منذ أكثر من أربع سنوات، يواصل رئيس الحكومة المنتهية ولايتها، عبد الحميد الدبيبة، اختفاءه عن الأنظار في وقت يتجاوز الشهرين، مخلفاً فراغاً غامضاً يهز أركان المشهد السياسي والأمني في غرب البلاد. بينما تتداول وسائل الإعلام المحلية والعربية روايات متضاربة حول وضعه الصحي، تتصاعد أصوات معارضة من شخصيات سياسية وأكاديمية تطالب بكشف الحقيقة وتكليف بديل، محذرة من انهيار وشيك للهشة المؤسسية التي أقامها الرجل على أنقاض التوازنات الهشة منذ عام 2021.
غياب غير مسبوق واستثناءات لافتة
كان آخر ظهور علني للدبيبة بتاريخ الثامن عشر من شهر مارس الماضي، خلال جولة في حديقة الحيوان بأبو سليم عقب إعادة تأهيلها. منذ ذلك الحين، انقطع الرجل تماماً عن المناسبات الرسمية التي كانت تشكل جزءاً من طقوسه السياسية المعتادة. فالغياب عن احتفالات عيد الفطر في ساحة الشهداء بطرابلس، وعن معايدة المجلس البلدي في معقله مصراتة، شكل صدمة للمراقبين، إذ لم يسبق للرجل أن تخلى عن هذه المنابر التي يستخدمها لتجديد شرعيته الشعبية الهشة.
في هذا السياق، تقول الدكتورة ريم البركي، الباحثة في شؤون الأمن والهجرة، في منشور لها عبر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي: «معقولة لنا أكثر من شهرين بدون رئيس وزراء؟ مجرد أنه يطلع يكذبنا ويقول أنا كويس ويرجع يدخل المستشفى أخرى ويختفي. نين نطالبوا بتكليف آخر بداله؟ لعند أمتي باهي؟ المرض مش عيب ولا حرام، بس المريض يتريح شوية!»
هذه الصرخة تعكس مئات التساؤلات التي تملأ الشارع الليبي، حيث تحول الغياب المتكرر للدبيبة إلى مادة دسمة للنقاش، ليس فقط حول صحته، بل حول قدرة حكومته، التي انتهت ولايتها رسمياً منذ أكثر من عامين، على الاستمرار في إدارة شؤون البلاد من خلف الستار.
تسريبات طبية مثيرة للقلق: القلب والبنكرياس في مهب الريح
مع مرور الأيام، بدأت تتسرب معلومات طبية شبه مؤكدة من مصادر مقربة من الدائرة الضيقة للدبيبة، ترسم صورة أكثر قتامة لوضعه الصحي. فبعد أن كان الرجل قد أعلن في الحادي والعشرين من شهر فبراير الماضي خضوعه لفحوصات طبية إضافية في الخارج كإجراء احترازي، كشفت مصادر ليبية مطلعة أن الحقيقة مختلفة تماماً.
وبحسب تلك المصادر، فإن الدبيبة كان قد خضع لعملية قسطرة قلبية ناجحة في مدينة مصراتة خلال شهر يناير الماضي، تم خلالها تركيب سبع دعامات في شرايين متعددة بجسمه. غير أن حالته لم تستقر، بل تدهورت بشكل مفاجئ، مما استدعى نقله عاجلاً إلى لندن لإجراء فحوصات متقدمة كشفت عن احتمالية إصابته بمرض السرطان، تحديداً في البنكرياس، إلى جانب ضعف حاد في عضلة القلب.
في هذا الإطار، نقلت وسائل إعلام محلية عن طبيب مختص لم تكشف هويته، أن «التغير الواضح في ملامح عبد الحميد الدبيبة، من اصفرار الوجه وفقدان الوزن، يعود إلى معاناته من ضعف في عضلة القلب. هذا الضعف تسبب في تراجع كفاءة ضخ الدم، ما انعكس على حالته الصحية بظهور علامات تعب وإجهاد مزمن. ورغم ذلك، أشار إلى أن الفريق الإعلامي يحاول التقليل من هذه المؤشرات وإخفاء أي تدهور ملحوظ في وضعه الصحي».
مصادر طبية أخرى قريبة من العائلة أكدت أن الأطباء أبلغوا الدبيبة بضرورة الابتعاد عن أي إجهاد أو انفعال، محذرين من أن جسده لن يتحمل أي عمليات أخرى في المستقبل. هذه النصيحة الطبية، وفق المصادر ذاتها، قوبلت بمحاولة يائسة من العائلة للتكتم على الأخبار، خوفاً من انهيار موقفها التفاوضي في المحادثات التي ترعاها بعثة الأمم المتحدة في جنيف، أو في اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة.
معادلة الخلافة: ثلاثة أسماء مصراتية على الطاولة
في خضم هذا الغموض، بدأت تتبلور تحركات سياسية خلف الكواليس تهدف إلى تجنب فراغ كارثي في قلب السلطة التنفيذية. فمع عجز الدبيبة المتزايد عن القيام بمهامه، يجري حالياً التفاوض مع رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، على تسمية شخصية من مدينة مصراتة لتسيير أعمال الحكومة بشكل مؤقت.
وتشير المعلومات المتداولة إلى وجود ثلاثة أسماء مطروحة بقوة. الأول هو «الدريّة» الذي لا يمتلك أي صفة فعلية تذكر. والثاني «الزوبي» وهو شخصية ضعيفة جداً في الجانب الإداري، وفق وصف المصادر. أما الثالث، والأقرب للحسم، فهو «الشهوبي» الذي يتولى حالياً حقيبة وزارية، وكان قد نال ثقة البرلمان سابقاً، مما يمنحه غطاءً شرعياً نسبياً مقارنة بالآخرين.
هذا السيناريو، رغم كونه ترتيباً مؤقتاً، يكشف عن هشاشة النموذج السياسي الذي أقامه الدبيبة، حيث بنى نظاماً فردياً بامتياز، يعتمد على شبكة مصالح مالية مع قادة المجموعات المسلحة أكثر من اعتماده على مؤسسات دستورية راسخة.
أصوات معارضة تخرج من الظل: «الصحة ليست شأناً خاصاً»
مع تصاعد التكهنات، خرجت أصوات معارضة قوية تطالب بكشف الحقيقة كاملة، متهمة الحكومة والرئيس بالتلاعب بمشاعر الليبيين وإخفاء معلومات جوهرية تتعلق بالأمن القومي.
في هذا السياق، كتب المحلل السياسي سليمان البيوضي عبر صفحته على موقع فيسبوك، في منشور لاقى تفاعلاً واسعاً: «من جديد، الحالة الصحية لرئيس الوزراء ووزير الدفاع ووزير الخارجية ليست شأناً خاصاً أو عائلياً، بل هي مسألة مرتبطة بالرأي العام الوطني ومؤسسات الدولة. ومن حق الليبيين الاطلاع على الحقيقة بكل شفافية. شائعات عن الحالة الصحية لرئيس الوزراء، وكالعادة يغيب الإعلام الرسمي ويتم التعامل مع الأمر كظرف عائلي لا مسألة تتعلق بالرأي العام الوطني. ووجب الإعلان عنها بكل شفافية. أما اللافت فهو غياب الدبيبة عن معايدة المجلس البلدي مصراتة، فلأول مرة منذ وصوله للسلطة يغيب عن هذه المعايدة!»
أما رئيس الاتحاد الوطني للأحزاب، أسعد زهيو، فأعطى قراءة أكثر براغماتية للموقف، مؤكداً لصحيفة الشرق الأوسط اللندنية أن «تعامل غالبية الليبيين مع صحة الدبيبة ينحصر في البعد الإنساني والتعاطف مع الأمر، فيما يقتصر الجدل حول تداعياتها السياسية على المؤيدين والخصوم. غياب الدبيبة وما يغذيه من شائعات قد يكون أحد العوامل التي تستند إليها الأطراف المحلية والدولية للدفع بتشكيل حكومة موحدة للبلاد تمهيداً لإجراء الانتخابات».
من جانبه، وصف الكاتب والمحلل السياسي فرج فركاش الوضع بأنه «حالة ترقب لا يمكن إنكارها حيال غياب الدبيبة، يعمقها الصمت الحكومي حول أي خبر يتعلق به. الدبيبة لم يظهر إعلامياً منذ الأيام الأخيرة من شهر رمضان، كما لوحظ عدم مشاركته الليبيين في صلاة العيد واللقاءات الاجتماعية المعتادة، وهو ما يعد نهجاً غير معتاد له. تغيب الدبيبة غذى التكهنات حول خضوعه للعلاج في إحدى الدول الأوروبية، وأثار تساؤلات قانونية حول الجهة التي تدير مهام الحكومة في ظل غياب تفويض معلن لأي من نوابه».
تحذير أمني: عودة المجموعات المسلحة إلى الصراع وشيكة
لكن القراءات الأكثر خطورة تأتي من الخبراء الأمنيين، الذين يحذرون من أن غياب الدبيبة لا يمثل مجرد فراغ سياسي، بل هو قنبلة موقوتة قد تفجر الصراعات المسلحة بين التشكيلات التي كان يحتويها بالمال.
في هذا الإطار، أكد مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، شريف عبد الله، أن «الجدل حول صحة الدبيبة وعدم ظهوره الإعلامي يعود إلى المخاوف المترتبة على غيابه عن المشهد السياسي، بالنظر إلى هشاشة بنية السلطة في ليبيا وشخصيتها باعتمادها على الفرد لا على مؤسسات دستورية». وأشار عبد الله إلى «عدم وجود بنود واضحة في نصوص الاتفاقيات السياسية الحاكمة للفترة الانتقالية بشأن خلو منصب رئيس الحكومة».
ووصف عبد الله التركيبة الأمنية للمنطقة الغربية بأنها «بالغة التعقيد في ظل تصاعد نفوذ مدن بعينها مثل مصراتة وطرابلس والزاوية، والثقل السياسي والتسليحي لكل منهم بالنظر إلى عدد ليس هيناً من المجموعات المسلحة التي توجد هناك». ورأى أن الدبيبة «نجح في البقاء بموقعه عبر نسج شبكة مصالح ترتكز على احتواء قيادات تلك المجموعات المسلحة مالياً».
وختم شريف عبد الله تحذيره بعبارة نارية: «غياب الدبيبة الذي يمثل المورد المالي لهذه المجموعات المسلحة، قد يتسبب في عودتها إلى الصراع فيما بينها على مناطق النفوذ والمراكز والمؤسسات المالية الكبرى، وفي مقدمتها المصرف المركزي، مما يعني شللاً في عمل تلك المؤسسات».
رؤية استشرافية: نهاية حقبة أم بداية فوضى؟
في تحليل أعمق، يذهب الباحث السياسي إبراهيم بلقاسم إلى أن «الوعكة الصحية التي تعرض لها الدبيبة مؤخراً لا تزال تؤثر على قدرته على ممارسة مهامه بشكل كامل. غياب وضبابية الموقف الرسمي في ليبيا تضيف تساؤلات حول قدرة الدبيبة على الاستمرار، ومن قد يكون خلفاً له في حال عدم تمكنه من أداء مهامه، في ظل محدودية الخيارات المؤهلة لتولي المسؤولية في حكومة تواجه أزمة ثقة وبرلمانية».
أما الكاتب صاحب المنشور الطويل الذي حمل عنوان «نهاية الدبيبة ستكون واحدة من أكثر المشاهد سيريالية في تاريخ ليبيا»، والذي انتشر بشكل كبير في الأيام الأخيرة، فيقدم رؤية قاتمة لمستقبل الرجل. يرى الكاتب أن صعود الدبيبة إلى مسرح الأحداث في عام 2021 كان «خطأه الاستراتيجي الذي كلفه الكثير»، وأن واقعه اليوم يخبرنا بذلك. فبعد خمس سنوات من السلطة، وجد نفسه محاصراً بواقع حكم المتناقضات، بعيداً عن الوهم والوعود.
ويضيف الكاتب أن «الطبقية المفزعة التي تنامت في عهده، وصنعت شعب الفقراء في ليبيا، هي من ستجعل من لندن وأوتوا ولشبونة، بل كل عواصم العالم غير آمنة، ففيها قد تسلب ثرواته تحت الابتزاز، وقد يجد نفسه داخل أسوار أكبر. وحدها مصراتة ستكون الملاذ الآمن».
ويختتم تحليله بتساؤل مأساوي: «هل لعنة دم المريمي على الحكومة كانت كدماء بن جبير على الحجاج، أم ثمة بن جبير آخر؟!»
الخلاصة: ليبيا على حافة الهاوية
بين صمت مطبق من الحكومة، وتكهنات متزايدة عن مرض عضال، ومخاوف أمنية من انفجار المشهد في طرابلس، تقف ليبيا مرة أخرى على حافة الهاوية. فغياب الدبيبة، سواء كان مؤقتاً أو دائمياً، كشف عن هشاشة نموذج حكم قام على الفرد والمحاصصة المسلحة، وليس على المؤسسات.
ومع تصاعد أصوات المعارضة المطالبة بتكليف بديل، وتحركات دولية قد تستغل الفراغ لفرض حكومة موحدة، يبقى السؤال الأكبر: هل تشهد ليبيا خلال الأسابيع المقبلة انفراجة سياسية، أم أن جراحها ستعود مفتوحة في مواجهات مسلحة جديدة؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن الستار الحديدي الذي يخيم على طرابلس لن يرتفع بسهولة.



