ليبيا

معاشات لا تكفي لقمة العيش… وأزمات صحية تهدد مستقبل المتقاعدين

نقابة المتقاعدين تحذر من أزمة صحية متفاقمة تهدد استقرار الفئة الأكثر تضررا

ليبيا 24:

معاشات متقاعدي ليبيا تنهار تحت وطأة الغلاء والتهميش المتعمد

في مشهد يعكس تناقضا صارخا بين ما قدمته فئة عمرت عقودا في خدمة الوطن، وما تحصل عليه اليوم من مقابل متدنٍ لا يرقى لمتطلبات العيش الكريم، يبرز ملف المتقاعدين في ليبيا كواحدة من أخطر القنابل الموقوتة التي تهدد النسيج الاجتماعي.

فبين انهيار القيمة الشرائية للدينار، وغياب شبكة أمان اجتماعي حقيقية، يعيش مئات الآلاف من المحالين على المعاش حالة من الإحباط المتزايد، محملين السلطات المتعاقبة مسؤولية ما آلت إليه أوضاعهم من تدهور غير مسبوق.

هشاشة اقتصادية تعيد إنتاج الفقر

وسط زحام الأسواق وارتفاع جنوني لأسعار المواد الأساسية، تبدو معاناة المتقاعد الليبي يومية ومتجددة فالمعاش التقاعدي الذي كان في الماضي يشكل مصدر دخل يكفي لتدبير احتياجات الأسرة، تحول اليوم إلى مجرد رقم لا يغطي حتى نصف الإيجار الشهري لمسكن متواضع، ناهيك عن توفير الغذاء والدواء.

المتابعون للشأن الاقتصادي يؤكدون أن السياسات المالية المتبعة خلال السنوات الماضية لم تولِ هذه الشريحة أي اعتبار، حيث تم تهميشها في ظل انشغال المؤسسات بإدارة أزمات آنية دون وضع استراتيجيات بعيدة المدى تحمي الفئات الأكثر هشاشة.

وقد أدى التضخم المطرد إلى تآكل الدخل الحقيقي لهذه الفئة بمعدلات قياسية، في وقت ارتفعت فيه فواتير الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه واتصالات إلى مستويات خيالية.

المصادر المطلعة على تفاصيل الملف تشير إلى أن غياب أي نوع من أنواع الدعم المباشر الموجه للمتقاعدين جعلهم عاجزين عن مجاراة الارتفاعات المتسارعة في الأسعار.

فمن كان يتقاضى راتبا يتجاوز الحد الأدنى للأجور بعشرات المرات قبل إحالته على المعاش، يجد نفسه اليوم مضطرا للاستدانة أو بيع ممتلكاته الشخصية لتغطية نفقات العلاج أو الزواج أو حتى توفير احتياجات رمضان.

ويبرز هنا تعقيد آخر يتعلق بعدم انتظام صرف الرواتب في بعض الفترات، حيث تحولت المؤسسات المالية إلى ساحات للاحتقان والزحام، في مشاهد مهينة للمواطن الذي قضى عمره في وظائف حكومية كان يفترض أن تضمن له كرامة الشيخوخة.

انهيار الصحة: جثث هامدة على أبواب المستشفيات

لكن الجانب الأكثر مأساوية في هذه القصة لا يتعلق بالمعاش وحده، بل يمتد إلى انهيار شبه كامل في منظومة الرعاية الصحية المخصصة لهذه الفئة.

ففي وقت تعاني فيه المرافق الصحية العامة أصلا من نقص حاد في الكوادر والمستلزمات الطبية، يجد المتقاعد نفسه في قاع أولويات التغطية.

في تصريح صحفي رصدته ليبيا 24، حذر رئيس نقابة المتقاعدين، محمد عيسى الفلاح، من أن ما يتعرض له المتقاعدون في المؤسسات الصحية يشبه “الإعدام البطيء”، مشيرا إلى أن كثيرا من المنتسبين للنقابة يموتون في صمت بسبب نقص الأدوية المنقذة للحياة أو لعدم قدرتهم على تحمل تكاليف العلاج في القطاع الخاص.

وأضاف الفلاح أن معاناة المرضى المزمنين وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، إذ يضطر مريض الضغط أو السكري أو القلب لدفع مبالغ طائلة من جيبه الخاص لشراء أدوية لم تكن تتجاوز في الماضي بضع جنيهات، بينما تخلى صندوق التأمين الصحي عن مسؤولياته بشكل شبه كامل.

وتشير تقارير داخلية إلى أن هناك آلاف الحالات التي توفيت خلال السنوات الثلاث الماضية بسبب تعذر الحصول على العلاج أو عدم القدرة على تحمل تكاليف السفر للخارج للعلاج، وهو ما يضع مسؤولية أخلاقية وإنسانية كبيرة على عاتق السلطات الصحية والتشريعية.

إرث منسي: كيف تحول المتقاعد إلى مواطن من الدرجة الثالثة

لطالما اعتبرت فئة المتقاعدين في المجتمعات المتحضرة “ذاكرة الأمة” وخزين تجاربها، وتحرص الحكومات على تكريمها وتوفير سبل العيش الكريم لها نظير ما قدمته من جهود.

لكن في ليبيا، تبدو الصورة مغايرة تماما، إذ تحولت هذه الفئة إلى ثقل اجتماعي واقتصادي مهمش، لا يكاد أحد يتذكرها إلا في المناسبات الانتخابية أو عندما ترفع شعارات الإنصاف دون أفعال.

محللون اقتصاديون يرون أن غياب رؤية موحدة لمستقبل الحماية الاجتماعية في البلاد، أسهم في اتساع الفجوة بين الأجيال. فالموازنات العامة التي أقرت خلال السنوات الماضية كانت تخلو من أي برامج واضحة لدعم المعاشات أو ربطها بمؤشرات الغلاء، ما جعل آلاف الأسر تقفز من خط الفقر إلى خط الفقر المدقع بمجرد إحالة العائل على المعاش.

ويلفت الخبراء إلى أن الأزمة ليست مالية فقط بقدر ما هي أزمة سياسات وإدارة، فهناك أموال كثيرة تذهب إلى أبواب لا تستحق الدعم، بينما يظل المتقاعد الذي قضى ثلاثين أو أربعين عاما في الوظيفة العمومية بلا سقف حماية يحميه من تقلبات السوق وارتفاع الأسعار.

دعوات عاجلة: إما الإصلاح أو الانفجار الاجتماعي

وسط هذا المشهد القاتم، بدت دعوات الإصلاح أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، حيث يطالب المراقبون والنشطاء بضرورة إعادة هيكلة كاملة لمنظومة التقاعد والتأمين الصحي، وربط المعاشات بحد أدنى يضمن للمواطن عيشا لائقا، أسوة بما يحدث في دول الجوار التي تحرص على تعديل رواتب المتقاعدين سنويا وفقا لمعدلات التضخم.

وشدد الفلاح في ختام حديثه على أن ما يطلبه المتقاعدون ليس منة ولا تفضلا، بل هو حق مكتسب كفله الدستور والقوانين النافذة.

وحذر من أن الاستمرار في تجاهل هذا الملف سيؤدي إلى تداعيات خطيرة تطال الاستقرار الاجتماعي برمته، خصوصا مع تزايد أعداد المحالين على المعاش سنويا في ظل سياسات الإحالة المبكرة التي تنتهجها بعض المؤسسات.

ويبقى السؤال الأهم: هل سيجد هذا الملف ما يستحق الجدية والتعامل، أم أن المتقاعدين سيظلون رهينة الانتظار في طابور طويل من المطالب العادلة التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ؟

 الأيام المقبلة وحدها كفيلة بإظهار ما إذا كانت هناك إرادة حقيقية لإنقاذ هذه الفئة التي تستحق رعاية تليق بما قدمته لوطنها من نسيج وتضحيات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى