ليبيا

غيث يحذر: فتاوى الغرياني تقوض صمود الاقتصاد الليبي الهش

الفتاوى الاقتصادية للغرياني تهدد أسس الاستقرار المالي الليبي الوطني

ليبيا 24:

الفتاوى الاقتصادية في ليبيا… تداخل الدين والمال يهدد الاستقرار

تحذيرات من خبراء مصرفيين من “اجتهادات” غير متخصصة تهز ثقة الأسواق

في مشهد يعكس هشاشة المؤسسات في ليبيا بعد أكثر من عقد من الانقسام والصراع، تعود فتاوى المفتي المعزول الصادق الغرياني لتشعل نقاشاً واسعاً حول حدود تدخل رجال الدين في الشأن الاقتصادي، وسط تحذيرات من أن هذه “الاجتهادات” قد تضرب استقرار الأسواق وتعمق معاناة المواطنين.

فقد أكد العضو السابق بمصرف ليبيا المركزي، امراجع غيث، في تصريحات صحفية رصدتها ليبيا 24، أن القضايا الاقتصادية “مسائل حساسة وفنية بطبيعتها، وأي تدخل من رجال الدين أو غير المتخصصين فيها يربك المشهد المالي، ويؤثر مباشرة على حياة المواطنين”.

وأضاف غيث أن “سوء التقدير في هذه المسائل قد يؤدي إلى تداعيات ملموسة على الاستقرار الاقتصادي”، مشدداً على “ضرورة اعتماد القرارات الاقتصادية على الخبرة الفنية والتخصصية، بعيداً عن أي توجيهات غير مختصة”.

فتاوى تمس النفط والمال العام

لم تكن تحذيرات غيث من فراغ، بل تأتي في سياق سلسلة من الفتاوى التي أطلقها الغرياني خلال السنوات الماضية، والتي تجاوزت حدود الإفتاء التقليدي إلى غمار السياسة والاقتصاد.

ففي وقت سابق، أفتى الغرياني بمنح أنقرة الأسبقية في عمليات التنقيب عن النفط والغاز، مسوغاً ذلك بمساندة تركيا لحكومة الوفاق السابقة ثم حكومة الدبيبة منتهية الولاية.

كما أصدر فتوى أجازت عدم شراء سلع من دول اعتبرها “عدوة”، وأباح تحويل أموال الزكاة للجماعات المسلحة في غرب البلاد.

وهذه الفتاوى، وإن كانت تثير جدلاً دينياً، فإن تداعياتها تمتد إلى الميزان التجاري الليبي، وعقود النفط التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد، فضلاً عن تدفق الأموال إلى جهات مسلحة خارج إطار الدولة.

فوضى الأسعار بين النقد والإلكتروني

الواقعة الأحدث التي أعادت الغرياني إلى دائرة الضوء، كانت فتواه التي أجازت للتجار رفع الأسعار عند الدفع بالوسائل الإلكترونية، في وقت تعاني فيه ليبيا من شح حاد في السيولة النقدية، وتراجع مستمر في القوة الشرائية للمواطنين.

هذه الفتوى تناقض بشكل صارخ موقفاً سابقاً نسب للغرياني قبل عامين، كان يحظر فيه زيادة السعر عند استخدام البطاقة المصرفية، معتبراً ذلك استغلالاً للمواطنين.

هذا التناقض أثار حفيظة المراقبين، كما وضع المصرف المركزي الليبي في موقف حرج، إذ تدخل لتوجيه الحرس البلادي باتخاذ إجراءات رادعة تجاه التجار الذين يستغلون المواطنين بفروق أسعار بين الدفع النقدي والإلكتروني، في خطوة تهدف إلى تعزيز ثقافة الدفع الرقمي ضمن استراتيجية رسمية.

من جهتها، وصفت هيئة الأوقاف والشؤون الإسلامية زيادة السعر بأنها “معاملة غير جائزة شرعاً”، في تناقض واضح مع فتوى الغرياني.

مفتي معزول وجدل متجدد

اللافت أن الغرياني ليس في منصب رسمي، فقد صوت البرلمان على عزله وإلغاء دار الإفتاء في نوفمبر 2014، على خلفية اتهامات بالتحريض على العنف والتدخل السياسي، والانحياز لجماعة الإخوان والتيارات الإسلامية.

لكنه يواصل بث فتاواه عبر برنامجه “الإسلام والحياة” على قناة “التناصح”، ليظل حاضراً في وجدان الليبيين، خصوصاً في طرابلس وغرب البلاد.

وفي أحدث اجتهاداته الفقهية، فصل الغرياني بين دور الدولة في التخطيط الاقتصادي ودور المصرف المركزي، معتبراً أن تحديد احتياجات المواطنين من السلع هو من وظائف الحكومة ووزارة الاقتصاد وليس المصرف المركزي وهو طرح يرى فيه خبراء مصرفيون تجاوزاً للدور الرقابي للمصرف المركزي في استقرار الأسعار وإدارة السيولة.

دعوات لحوار متخصص

في مقابل هذه الفتاوى، يرى مراقبون أن ليبيا بحاجة ماسة إلى حوار وطني يجمع رجال الدين بالخبراء الاقتصاديين والمصرفيين، لوضع ضوابط للاجتهادات ذات البعد المالي.

ويؤكد غيث أن على علماء الدين “التركيز أولاً على تعزيز وحدة الوطن، ومحاربة الفساد والتهريب والاعتمادات الوهمية والرشوة وسوء الإدارة”، مضيفاً أن “الأولويات الوطنية يجب أن تتقدم قبل أي ممارسات أخرى”.

ويشدد على ضرورة “فتح حوار ديني علمي مع المختصين في الاقتصاد والمالية والمصارف، والاستفادة من دراسات المؤسسات الإسلامية العربية والعالمية؛ لتطوير السياسات الاقتصادية، بما يحقق قناعات مشتركة متوافقة مع تعاليم الإسلام”.

في بلد منهك بالانقسامات، تظل الفتاوى الاقتصادية قنبلة موقوتة، قد تؤدي إلى مزيد من التضخم، وهروب الاستثمارات، وتراجع ثقة المواطن في النظام المالي، وهو ما لا تحتمله ليبيا اليوم، التي تغرق في أزمات متلاحقة منذ عام 2011.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى