شهادة الخبراء تدين العبث: كيف تحول قرار الدبيبة إلى مسمار جديد في نعش معيشة الليبيين؟
ليبيا 24
في مشهد يكشف عمق الفجوة بين حسابات السلطة المنعزلة في أبراجها وواقع الشارع الليبي المتأزم، لم يعد تحليل القرار الأخير الصادر عن وزارة المالية بحكومة عبدالحميد الدبيبة منتهية الولاية، والمتعلق بإلغاء ما يعرف بالدولار الجمركي، حكراً على التصريحات الرسمية المبهمة. لقد تحول هذا القرار إلى مادة دسمة لتحليلات وتداعيات أطلقها صفوة من الخبراء والمحللين الاقتصاديين وأعضاء مجلس النواب، لتشكل مجتمعة ما يشبه “شهادة إدانة” جماعية لسياسة مالية وصفوها بالترقيعية والعاجزة عن مواجهة جذور الأزمة الهيكلية التي تنخر جسد الدولة الليبية. وبينما يحاول صناع القرار في حكومة منتهية الولاية تسويق القرار على أنه خطوة إصلاحية، تؤكد آراء المختصين أنه ليس سوى إلقاء بعبء فشلهم في إدارة المالية العامة على كاهل مواطن أنهكه التضخم والانقسام.
تشريح القرار: من ميزة تنافسية وهمية إلى زلزال تضخمي
لفهم الأبعاد الكارثية للقرار، لا بد من العودة إلى تحليل الخبير المصرفي إبراهيم عمر الحداد الذي قدم معادلة حسابية قاطعة تكشف فداحة الأمر. فقد أوضح الحداد في تصريحات صحفية رصدتها ليبيا 24 أن “مساواة الدولار الجمركي بسعر الصرف المصرفي تعني أن استيراد السلع يتم بسعر صرف مضاعف”، مستنتجاً أن “معادلة استيراد السلع مستقبلاً ستكون على النحو التالي: 6.3 + 6.3 = 12.6 ديناراً للدولار الواحد مصرفياً وجمركياً”. هذا التحليل وحده كاف لنسف أي ادعاء حكومي بأن القرار يستهدف فقط “زيادة الإيرادات” دون المساس بالمواطن. فإذا كان الدولار الجمركي سابقاً لا يتجاوز 2.48 دينار، فإن القرار يعني ببساطة أن التاجر سيواجه تكلفة استيراد حقيقية تفوق الاثني عشر ديناراً، وهو عبء سيتم تحميله بالكامل للمستهلك النهائي. وفي هذا السياق، حذر المحلل الاقتصادي أبو بكر الطور من أن “التغيير الحاصل سيدفع أسعار السلع المستوردة إلى الارتفاع بشكل كبير، وقد يصل إلى 100% في بعض السلع مثل السيارات والإلكترونيات ومواد البناء”. ويضيف الطور، في إشارة لا تخلو من مرارة، أن “المستهلك هو من سيدفع ثمن هذا التغيير”، محذراً من “موجة تضخمية جديدة من شأنها إضعاف القوة الشرائية للمواطن، الذي يعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية متواصلة”. إنه تحذير من خبير يرى ما لا يراه المسؤولون المنشغلون بترتيب أوراقهم السياسية أكثر من انشغالهم بقوت الناس.
الخبير الوطني المهمش: أزمة ثقة أم عجز عن الاستماع؟
وفي سياق متصل، يبرز سؤال جوهري حول منهجية صناعة القرار الاقتصادي في ليبيا: لماذا يتم تجاهل أصوات الخبراء الوطنيين الذين يعيشون تفاصيل الأزمة؟ يجيب عن هذا التساؤل أستاذ الاقتصاد عطية الفيتوري بأسى واضح قائلاً: “عندما يصدر البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي تقريراً عن الاقتصاد الليبي تجد الكل يتهافتون على تحليله… وفي الواقع هو ليس كلاماً جديداً علينا”. ويضيف الفيتوري مؤكداً أن “أساتذة الاقتصاد الليبيين هم أدرى بظروف الاقتصاد الليبي ومشاكله وحلولها، لأنهم يعيشون واقعها ولديهم خلفية تعليمية لا تقل عن خبراء هذه المؤسسات بل ربما أفضل”. هذه الشهادة تكشف عن خلل عميق في بنية الحكم، حيث تفضل السلطات الحالية، سواء في حكومة الدبيبة أو المجلس الرئاسي بقيادة محمد المنفي، الاستماع لنصائح من خارج الحدود بينما تهمش الكفاءات الوطنية التي تقدم حلولاً واقعية. إنه انفصام واضح بين النخبة الحاكمة والواقع، ويطرح علامات استفهام حول جدية هذه السلطات في تحقيق أي إصلاح حقيقي.
تفنيد “إنجاز” سعر الصرف: هبوط وهمي وفجوة تمويلية مرعبة
لطالما حاولت أطراف في حكومة الدبيبة منتهية الولاية التسويق لفكرة أن تحسن سعر صرف الدينار أمام الدولار هو ثمرة لسياساتهم. إلا أن هذا الخطاب يصطدم بتحليلات راسخة لخبراء ماليين. فعضو مجلس النواب عيسى العريبي، الذي تحدث عن اتفاق الإنفاق الموحد، أكد أن “المصروفات ستكون مطابقة للإيرادات ولن يكون هناك عجز”. لكن رجل الأعمال حسني بي يقدم صورة أكثر قتامة وتفصيلاً. فهو يحذر من أن “الإنفاق العام خلال عام 2026 قد يصل إلى نحو 147 مليار دينار، فيما يتجاوز فعلياً 220 مليار دينار عند احتساب تكاليف المحروقات”. ويكشف بي عن فجوة تمويلية هائلة بقوله إن “الإيرادات النفطية تبلغ نحو 38.9 مليار دولار، إلا أنه بعد خصم الاستهلاك المحلي وحصة الشركاء، لا يتبقى للدولة سوى 21.4 مليار دولار فقط لتمويل الميزانية”. هذا التحليل يوضح أن التحسن المؤقت في سعر الصرف هو نتيجة ضخ للعملة الصعبة من الاحتياطي، وهو إجراء ترقيعي لن يصمد طويلاً أمام جحيم الإنفاق العام. ويؤكد حسني بي هذه الحقيقة قائلاً: “أي ضخ للنقد الأجنبي في السوق قد يخفف الفجوة بشكل مؤقت… لكنه لا يمثل حلاً جذرياً في ظل استمرار التوسع في الإنفاق”. والأخطر من ذلك، أنه يحذر من أن هذه السياسة ستؤدي إلى “زيادة الطلب على الدولار لأغراض المضاربة وتهريب السلع المستوردة بالاعتمادات إلى خارج ليبيا”، مؤكداً أن “الدولارات الليبية الرخيصة ستسهم في تمويل واردات دول أخرى تستفيد من فارق الفجوة السعرية”.
الاعتراف الضمني: “الشماعة سقطت”
لعل أكثر ما يثبت أن السياسات المالية السابقة كانت قائمة على تبريرات واهية هو ما ذكره عضو مجلس النواب عصام الجهاني في تدوينة أخرى. فهو يذكر المصرف المركزي بأنه “غالباً ما كان يعلق بأن السبب الرئيسي لانخفاض قيمة الدينار هو الإنفاق الموازي”. ثم يخلص إلى نتيجة قاطعة بعد اتفاق توحيد الإنفاق: “أي أن هذه الشماعة قد سقطت”. هذا الاعتراف الضمني بأن مسؤولي القطاع المالي كانوا يستخدمون “شماعة” الإنفاق الموازي لتبرير فشلهم في إدارة السياسة النقدية، بينما المشكلة الحقيقية تكمن في تضخم الإنفاق العام نفسه، هو تطور خطير في الخطاب السياسي والاقتصادي. إنه اعتراف بأن الحلول كانت متاحة لكن الإرادة السياسية والفنية كانت غائبة، أو ربما متواطئة مع واقع مزري.
الجذر الذي يتم تجاهله: داء المالية العامة المستعصي
يتفق جميع الخبراء تقريباً على أن سعر الصرف ليس سوى عرض لمرض أعمق بكثير. ويقدم أستاذ الاقتصاد علي الشريف تلخيصاً بليغاً لهذه الحقيقة بقوله: “مشكلة الاقتصاد الليبي تكمن في تضخم الإنفاق وليس سعر الصرف”. ويستشهد الشريف بتقرير صندوق النقد الدولي الذي “أشار إلى أن جوهر الاختلال في الاقتصاد الليبي يعود إلى التوسع المفرط في الإنفاق العام”. إن إصرار حكومة الدبيبة على تجاهل هذا التشخيص والاستمرار في العبث بالأعراض عبر قرارات مثل تعديل الدولار الجمركي، هو ما يدفع الشريف للتحذير من أن “أي تعديل في سعر الصرف دون معالجة الخلل المالي سيظل إجراءً محدود الأثر”. وبينما يدعو إلى “الإسراع بتطبيق الاتفاق الخاص بتوحيد الموازنة دون وجود عجز”، تبدو الحكومة غارقة في حلول ترقيعية تزيد من معاناة المواطن بدلاً من أن تمس جذور الأزمة المتمثلة في فاتورة الدعم الهائلة وفاتورة الرواتب المتضخمة لقطاع عام غير منتج.
النفط: ثروة ضائعة بين فكي التجاذبات
وحتى المورد الوحيد الذي تستند إليه كل هذه الترتيبات الهشة، وهو النفط، يبدو مستقبله غامضاً في ظل استمرار حالة اللادولة والانقسام السياسي. ويحذر الأكاديمي محمد درميش من أن “التحديات السياسية والأمنية التي تمر بها البلاد تلقي بظلالها بشكل مباشر على إنتاج النفط والغاز”. ويشدد درميش على ضرورة “ضمان الحياد الكامل للمؤسسة الوطنية للنفط، بما يمكنها من أداء مهامها بعيداً عن الصراعات والتجاذبات بين الأطراف السياسية”. إن تحذير درميش يسلط الضوء على الخطر الحقيقي: وهو أن الثروة الوحيدة التي تمنع الانهيار الشامل قد تصبح رهينة للصراع السياسي بين أطراف لا تتوانى عن استخدام كل ورقة في يدها، حتى لو كان الثمن هو تجويع شعب بأكمله. إن غياب الرؤية الاستراتيجية لدى كل من حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي لاستثمار عائدات النفط في بناء اقتصاد ما بعد النفط، هو الإهمال بعينه الذي سيدفع ثمنه الأجيال القادمة.
الطريق المسدود للسياسات الترقيعية
عند تجميع آراء الخبراء والمحللين، تتضح صورة قاتمة ومتكاملة. يرى مختار الجديد توقعاً “بحدوث انهيار سريع في أسعار السلع والمواد المختلفة” نتيجة لزيادة المعروض من الدولار على المدى القصير، لكنه سرعان ما يؤكد أن “هبوط سعر الصرف الحالي ليس شيئاً مؤقتاً واحتمالية ارتفاعه مجدداً مستبعدة في المدى القريب والمتوسط”. هذا التحليل المتناقض ظاهرياً (انهيار أسعار السلع مع استقرار سعر الصرف) يؤكده تحليل الحداد للدولار الجمركي المضاعف: فالمواطن سيجد أن سعر الصرف الرسمي تحسن، لكن أسعار السلع في المحلات ارتفعت بشكل جنوني بسبب كلفة الجمارك الخفية. إنها لعبة حسابات لا يربح فيها إلا الفاسد والمحتكر، بينما يدفع المواطن الثمن مرتين: مرة كدافع ضرائب غير مباشرة، ومرة كمستهلك مسحوق. إن استمرار حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي في هذا النهج من الحلول الترقيعية والخطاب الدعائي، بينما تتكدس أرصفة التاريخ بتحذيرات الخبراء الوطنيين، ليس سوى إمعان في الفشل وإصرار على قيادة البلاد نحو الهاوية الاقتصادية بعيون مفتوحة.



